عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 24-03-10, 09:02 AM
حيدر فوزي حيدر فوزي غير متواجد حالياً
جواهري
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 5
Post حوار مع الجواهري ( يا نديمي .. )

حوار مع الجواهري ( يا نديمي .. )


في صباح شتاء حميم .. كانت السماء تتحدث بمطر خفيف ... اخذتني خطاي الى مقبرة العراقيين الغرباء قرب مزار السيدة زينب عليها السلام في جانب من دمشق ..

ما ان دخلت باب المقبرة حتى انفتح امامي فضاؤها الفسيح ..

هدوء ..وارض مباركة وشواهد بيض تغسلها اكف السماء ، اشجار متدلية وزهور ملونة تحيط بالقبور .. فماذا يريد الموتى اكثر من ذلك سوى رحمة الله الواسعة ..؟

لا ادري لماذا اتجهت الى الجانب الايسر من المقبرة ابحث عن قبر شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري .. كنت اقرا الشواهد وكاني اسالها عنه .. كان الموتى يقدمون لي اسماءهم من خلال الشواهد البيض ، ولكن اين الذي اصبو اليه ؟

وما ان حانت مني التفاتة الى الجانب الايمن من المقبرة حتى ناداني الجواهري العظيم ..

وكان نداؤه خارطة العراق المنقوشة على القبر..

قلت ذاك هو ...لاشك ،

فأي قبر يمكن ان توضع عليه خارطة العراق بهذا الحجم سوى الجواهري ،؟

فهرعت اليه كاني اريد ان اعانقه ، وكان المطر ينزل على الخارطة وعلى بيت الشعر :



سلام على هضبات العراق

وشطيه والنخل والمنحنى



ها انا في حضرته .. في حضرة قرن من الشعر والتاريخ ،

فاستمعت الى بلاغة الحجر وفصاحة الصمت !

أي قبر هذا الذي يحمل العراق على كتفيه مثلما حمله صاحبه على كتفيه في حله وترحاله ..؟

فتراءى لي صوت يخرج من اعماق الارض ، فتخيلت واستذكرت وسمعت نداء التراب.. فانبثقت الى الاعلى رائعة الجواهري ( يا نديمي ..) وكاني انا المقصود بهذا النداء ..

فتصورت انني في حانة القدر وهذا المطر يذكرني بخمرة الوجود ، فاسمع :

( يا نديمي .. يا نديمي .. يانديمي .. ) ثم انهمر الصوت :



يا نديمي وصب لي قدحا

واعرني حديثك المرحا



قلت له أي حديث مرح عندي يا ابا فرات وانا في مقبرة .. غريب ووطني بعيد ومحتل .. فقال :



يا نديمي وللنجوم انحدار

وصعود .. وللشعوب ارتكاس

غير ان الشعوب حين تساس

بالعصا طول عمرها تنهار



فقلت له يا ابا فرات والشعر ما الذي حويته منه ، وها هو يحيط بقبرك من كل جانب .. ؟

( دجلة الخير ) على الجانب القائم و ( يوم الشهيد ) على الجانب الايسر و ( سلام على هضبات العراق )على الجانب الاخر ، وحتى قبر زوجتك العزيزة ( امونة ) التي ترقد بجانبك فوقه باقة شعرعطرة هي قصيدة ( يا حلوة المجتلى ) .. هاهي الارض تمتلئ بشعرك فقال :



يا نديمي ورب ديوان شعري

ذبت فيه دما وفكرا وروحا

وتمازجت مثل كاس وخمر

اتملى جماله والقبيحا

اتملاه خاسرا وربيحا

واعاني جروحه والقروحا



فقلت له يا ابا فرات : على ذكر الجمال ، ما رايك بالجمال وانت القائل لو كان عندي جبل من الذهب لانفقته على الجمال فقال :



يا نديمي ان الجمال متاع

وحياة بلا متاع جحيم

ليت هذا النصف اللطيف اقتراع

لا كظيظ منه ولا محروم



فقلت له : على ذكر عروة والفقر فهل الفقر عار على الفقير ام على غيره فقال :



يا نديمي والفقر عار مهين والنواميس عارها الفقراء

درجت اعصر ومرت قرون واناس لغيرهم اجراء

واناس كما تريد تكون واناس كما يريد الشقاء

يا نديمي وكل دعوى هراء ما تبقى محسن ومُساء





فقلت : ولكن على الرغم من كل هذه الانسانية في اعماقك هل اتقيت التهم او بمعنى اخر هل صنت نفسك وحصنتها بطهر قلبك الشفاف .. ؟ فاجاب بصراحته المعهودة :



يا نديمي نفسي جذاذات طرس عريت فوقها بطهر ورجس

كذب البحتري اذ قال امس : (( صنت نفسي عما يدنس نفسي))

دنس النفس حلة من دمقس لن تغطى ولو بمليون عرس




ولكني اسالك هل انصفك الاخر سواء في الادب او غيره ..؟ فاجاب :



يا نديمي ولم اجد نصفا اعوز الناس كلهم نصف

من جسا منهم ومن لطفا ومن التاث باسمه الشرف

يا نديمي ورغم ما وصفوا ظل شح بجنبه سرف



قلت : والذين تغنيت لهم او تغنيت بينهم هل كان عطاؤهم وتعاملهم بمستوى عطائك ام ان الشاعر هو الخاسر دائما في هذه المعادلة ..؟ ام تراك كنت ندمت او تمنيت حياة او غناء اخر ؟



ليت اني لبربر او لزنج اتغنى شجونهم طول عمري

نصف قرن ما بين دف وصنج اترني كنت انتبذت بقفر ..؟

وتجوهلت مثل واو لعمرو لست ادري و لا المنجم يدري



اجبته :من يستطيع ان يتجاهلك يا ابا فرات فانت ضمير شعب وشاعر شارع عراقي يغلي بالاحداث السياسية لاكثر من 80 عاما ولن يخطئك التاريخ ..و لا الاجيال ... فانشد :



انا بين الطغاة والطغم شامخ فوق قمة الهرم

فاذا حان موعد الازم وارتطام الجموع بالنظم

خلتني عند سيلها العرم قطرة لامست شفاه ظمي



سالته : لاحظت في شعرك تركيزا على موضوعة ( النفس ) فمنذ قصيدتك المحرقة عام 1935 التي تقول فيها ( مضت حجج عشر ونفسي كانها من الغيظ سيل سد في وجهه المجرى ) الى قصيدتك الميمية التي تقول فيها

( لو كان يعرف نصر قبل موعده لكان ارخص ما في الانفس الهمم )

الى قصيدة ( ازح عن صدرك الزبدا ) التي تقول فيها :

( وقل يا نفس لا تردي على اعقاب من وردا ) وغيره .. كثبر كما لاحظت هذا في شعر المتنبي كقوله ( واذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الاجسام )

او قوله ( والظلم من شيم النفوس فان تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم )

فهل هذا التركيز على النفس لانها بؤرة الفعل الشعري والمرآة التي تتمظهر عليها ردة فعل الانسان الشاعر ازاء الاخر او الكون ام ان هناك مجهوليات في النفس تلك الذات الانسانية التي لم تُسبر اغوارها على الرغم من كل الخوض فيها والادعاء باحتواء فضاءاتها الانسانية ...؟

فاجاب :



يا نديمي والنفس كنز دفين والكنوز المبعثرات كثار

ومدى الدهر سوف تشقى نفوس راجيات بالف نجم تثار

ونفوس طابت فهن شموس مشرقات لم تدر كيف النهار

يا نديمي واين اين الفرار النا بعد هذه الدار دار ؟



كما ارى هذا الابتعاد او الاجتناب في تجربتك او الغربة بل حتى الاغتراب ضمن تجربتك الحياتية المسحوبة على التجربة الشعرية طبعا فماذا وراء هذا الاحساس ؟ فاجاب :



سالتني وقلبها يجب امدى الدهر انت مغترب ؟

املول ام انت مجتنب ام هو الدهر امره عجب

قلت مالي بذي وذا نسب انا لي من جبلتي عصب

قد صوانه من الحجر فهو لا يستلذ بالسرر



فقلت له : والحب يا شاعر العرب بعد كل هذه الرحلة الطويلة من ( يا ام عوف ) الى ( يا غادة الجيك ) الى التي قلت لها:



( اعبدة يا ابنة العرب ويا معسولة الشنب )



او التي قلت لها :



( انت تدرين انني ذو لبانة ..الهوى يستخفني والمجانة )



كيف ترى الحب ؟ فقال :



يا نديمي والحب محض نفاق

ان تخلى عن حرمة وذمام

كم بخيل حتى برقية راق

راح يعطيك روحه في الكلام

لك منه الاشواق يوم التلاقي

وعناق ما بين عام وعام

ثم يعلو ببرج بدر تمام

ويخليك تائها في الظلام



فقلت له والحياة يا ابا ظلال وخيال ودجلة .. كيف رايت الحياة وانت الذي قلت في مقدمة قصيدتك في رثاء امونة زوجتك بانك عشت حياة تشبه الاساطير .. ؟ فاجاب :



يا نديمي والمرء طيف سخيف

رصدته عبر الحياة الحتوف

انها الشكوى من ضياع المقاييس.. والادعاء وعدم التمييز بين الغث والسمين ؟ فاجاب :



يا نديمي وشفني حزن اذ تساوى القبيح والحسن

والغبي السفيه والفطن وطهور وجيفة عفن

يا نديمي وضاع مؤتمن في خؤون ، وافوه لسن

في حصور ، ومحكم السور في خضم من تافه الهذر



ولكنك تسقط هذه المعاني على الشعر باعتباره المرآة التي تنعكس عليها قيم الانسان وانتكاساته وتنبه الى مدعيه او ربما غاصبيه كما اشار المتنبي :

لم تزل تسمع المديح ولكن صهيل الخيول غير النهاق

وتكرار هذا الادعاء في كل العصور تقريبا .؟

فاجاب :



يا نديمي عوت ذئاب الكلام حين شمت قثارة من ثريد

حللت ما على خوان اللئام شرط ان يشتوى بفرن جديد

طمعا باقتطاع لحم الزنود اسوة منهم بكل العهود



فقلت وهل من نصيحة.. فقال :

يا نديمي خذ النصيحة مني

ليس لي في نصيحتي ما اغل

يا نديمي لا يخدعنك سكون

في نفوس يغلي بهن اضطراب

رب صبر على بلاء يكون

فيه من نفسه عليه ثواب

يا نديمي واذ يثاب المثاب

تتساوى جريمة وعقاب



ثم التفتُّ وخطوت لأخرج لكني تذكرت سؤالا .... فعدت وقلت له يا ابا فرات ساعود الى العراق فهل من وصية ..؟ فلم اسمع جوابا .. فقد انقطع حواري الخيالي معه لكني لمحت جوابا شافيا لاح على مرمرة القبر يقول :



سلاما على هضبات العراق

وشطيه والنخل والمنحنى
رد مع اقتباس