#1  
قديم 23-07-10, 04:24 PM
نخيل نخيل غير متواجد حالياً
جواهري
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: عمّان
المشاركات: 3
افتراضي غربــــــــة وهاتف موجوع

غربة...وهاتف موجوع


ربّما اشتقّت كلمة "غربة" من "الغراب"
كائن يعيش على فتات الآخرين
يأتي بعدهم .... وينصرفُ بعدهم
وحيد...
رمزٌ للتشاؤم
ينعب ...فيشتمه الناس
وهم يستمعون الى تغريد البلابل
واصوات الكناري...
ربّما كان يبكي...
ولا يفهمه أحد...

***********

وربّما اشتقّت كلمة "غربة" من "الغروب"
حيث تصبغ الشمس الغاربة السماء باللون الاحمر...
معلنةً نهايةَ الفرح...
وقدومَ الظلام
ساخرة ًمن كل أضواء "الفلورسنت" التي تزيّن بيوتنا وشوارعنا
في محاولةٍ غبيةٍ لتقليد نورها...

* * * * *
متى....متى....؟
لا تكفّ صديقتي "ربى" عن ملاحقتي بأداة الاستفهام هذه...
متى تخرجين الى أوربـــــا أو أمريكا ؟
متى تشفين من داء "بلاد العرب أوطاني " ؟
متى تكفّين عن الثرثرة ؟
عن النخيل ....والنوارس
والصحراء ... وعنترة
متى تجدين عملا يليق بك ؟
متى تمسكين "الماوس" بدل القلم ؟
متى تعلمين أن الأرض تدور ؟
ولا أحد ينتظرنا
وأن النخيل مجرّد نبات
والتمر يمكن استبداله بالــ"أسبارتام "
والصحراء مكان حار....لا يصلح للعيش فيه
وعنترة مجرّد شخص أحمق
وبلاد العرب....لا تأبه بالعرب

* * * * *

"أنا لوعة الشعراء غربتهم
وشجيّ ما نظموا وما نثروا
أنا حبّ أهل الأرض يزرعني
وترٌ هنا ويشيل بي وتر
عيناك يا بغداد أغنية
يغنى الوجود بها ويختصر"

* * * * *

أنا مجرد شخصٍ موجوع
غير قادرٍ على تصوّر نخلةٍ في الضباب
وعلى استبدال الشاي بالـ "كابوتشينو"
وحلاوة التمر بالهيل بالـ "دونات"
والمتنبّي بـ "فولتير"
والجاحظ بـ"دان براون"
ودجلة والفرات بـ"التايمز" و" الدانوب"
وشارع المتنبّي بـ"الشانزليزية"
وحدائق بابل بـ"الكوليزيوم"
وشواطئ البصرة بـ"الريفيرا"
وبرتقال ديالى بـ"البلوبري"
والزيت والزعتر بـ"الكورن فلكس"
وخبز التنّور بـ"التوست"

* * * * *



الهاتف يرن....
"رشا" من استوكهولم ...
تحدثني عن عملها وعن زوجها
ورحلة الأطفال الى "يورولاند"
وفي صوتها غصّة لأن أطفال العراق لديهم "قنابل لاند"
وتكرر عليّ السؤال المعهود...
ألا تأتين ؟
حضرتُ مؤتمرا علميّا..
ارسلوا لي بطاقة على طائرة خاصة مع نخبة من العلماء
وسائق يحمل حتى حقيبتي اليدويّة...
كم يقدّرون العلم ويحترمون أهله
زوجي أصبح رئيس قسم الجراحة
اشترينا بيتا على شاطئ البحر
احترمت كل انجازاتهما
فقط....لم استطع أن أسألها...
لماذا تكرر عبارة "نحن مرتاحون" مئة مرّة في المكالمة ؟
خشيت أن تنفجر !!!
* * * * *

ابتلعتُ غصصي
لأن آخر ما يهمّ العرب
"عالم ومتعلّم"
ليس عندهم سوى
أختام وأوراق وتواقيع وتوصيات ومكالمات...

*******
أحمد يتصل بأمّه من "هولندا"
فتكرر عليه نفس الأسئلة:
هل تأكل جيدا....هل تنام جيدا ؟
ارسلت لك كيسا من التمر مع بيت أبي أحمد
سألها سؤالا واحدا:
"شطابخين اليوم ؟ "
ردّت : بامية بالضلوع
انفجر يبكي ...وضاعت بطاقة الاتصال بالبكاء

* * * * *

"رائد" انتهت به رحلة البحث عن وطن
الى الصين !!
اتّصل بصديقه وهو يضحك:
أتعلم أين أنا ؟
في الصين !!
يالهي ...أمواج من البشر!
كلّهم متشابهون
كلّهم يعملون
وأنا لا افهم حرفا واحدا مما يقولون
عاد الى المطار
وجلس على الارض.... يبكي بصمت

* * * * *

لم أستطع تمييزَ كلماتِها
كانت تبكي بحرقة
تركتها تبكي كما تشاء
ثم سألتها فصرخت
أمي ...أمي
ماتت بالسرطان ....لم أرها منذ سنوات
قلت لها:
أمك ماتت ...بسرطان الفراق...

* * * * *

كلّ رنّة هاتف...
عذابٌ لا يتصوّره أحد
وخوفٌ أن يرحل أحد الأحباب
دون أن نراه
دون أن نودّعه


* * * * *

أتّصل بي من مطار "شارل ديغول"
وكان يضحك...
ماذا تفعل ؟
كالعادة ...انتظر...
أحدهم نظر الى جواز سفري وقال : انتظر
مازلت انتظر...منذ اثنتي عشرة ساعة
ما أجمل القط الذي تحمله هذه السيدة !
لديه جواز سفر وفيه صورة جميلة له
اسمه "بونابرت" !
اشترطت له قفصاً مطابقاً للمواصفات الصحيّة
وطعاما خاصا...
وموسيقى هادئة...

* * * * *

"خالد" لديه جواز سفر أجنبي
وهو يعيش كمواطن
لكن الشرطي كلما لمح جبينه الأسمر
وعينيه السوداوين
استوقفه ودقّق أوراقه
أكثر من مرّة
مع عبارة:
"ميدل ايست" ؟؟

* * * * *

اتصل "أمجد" بأمه
فبكت على الهاتف ...
- تزوّجت أجنبيّة ؟
و"هالة" ابنة خالتك التي تنتظرك ؟
- اعتذري لي منها...هي تستحق أفضل منّي
-لماذا فعلت هذا ؟
- لأني أريد الجنسيّة
تعبت من المشي ...
والمبيت في الطرقات
وغسل الصحون
ومسح البلاط
وتنظيف الحمامات...

* * * * *

هذا ابن عمّي يتّصل من أمريكا
كان سعيدا...
أنهى امتحانات التخصص في الطب في "واشنطن"
وحصل على المركز الأول
من بين مئات الأمريكيين والمهاجرين
ابتسم البروفسور الأمريكي وقال له:
تهانينا...سيكون لك مستقبل باهر كطبيب
استمر على هذه المثابرة...
لو كان في بغداد
أقصى ما سيحصل عليه...
"طلقة" بين أضلاعه...

* * * * *

الهاتف يرن...
"ربى" مرة أخرى...
-مازلت بلا عمل ؟
نعم ما زلت أثرثر...
واجبر الآخرين على سماع ثرثرتي
مازلت أنام على الوسادة...
إن زارني النوم...
واشعر بمئات المعادلات الحسابية والكيميائية تطفو في ذهني
واشعر برغبةٍ في تقيؤها
والتخلّص منها...
وبرغبة في تمزيق أوراق الاطروحات والبحوث...
وبرمها على شكل أقماع
وبيع اللب فيها...

* * * * *

هاتف آخر...
أين أنت يا حسام ؟ تأخرت مكالمتك هذه المرّة...
- مازلت تنتظرين ؟
- مابك ؟ طبعا...كيف أنت وكيف المعاملات ؟
- عزيزتي....لا أمل...
لا يمكنني العودة...
ولا يمكنك المجئ
وصلنا الى النهاية
- ماذا تقول ؟
- تعبت ...واتعبتك معي
مضت سنوات...
زوجتي الحبيبة.... أنتِ طالق !!!

* * * * *

"سرمد" كان الأول على جامعة "ميريلاند"
كرّمه المحافظ والعمدة في حفل التخرّج...
بكى كثيرا...
تمنّى ان يتخرج في بلاده..
وان يذهب الى المصور
لالتقاط صورة التخرّج
وسط زغاريد أمه
ومشاكسة أخية الصغير
حصل على افضل تعليم
وسيحصل على عمل...
لكنه حزين...
ماذا تريد يا سرمد ؟؟
وطن ؟؟؟؟

* * * * *

خلت الدار...
غادر الجميع...
ليس عند الحاجّة ...الا هاتفٌ صغير بالكاد تحسن استعماله
يحمل صوت الأحباب...
رنّة صغيرة...
"مسج"...
لا تعرف كيف تفتحها...
خرجت في الليل...
طرقت باب الجيران...
من يقرأ لي هذه الرسالة ؟
لعلّها من ولدي...
ماتت الحاجّة
مضت ايّامٌ ...حتى انتبه الجيران للرائحة المنبعثة من الدار
ماتت لوحدها ...
وفي يدها هاتف...

* * * * *

وطننا بيع بالمزاد...
من يبيعنا وطنا ً؟
لا يهمّ أن نعيش فيه بكرامة..
فالذل صديق العرب الصدوق..
مع أنهم أكثر أمّة تتغنى بالكرامة
والعز والأمجاد...!

* * * * *

غدا أعـــــــــــــود ....
غدا أعـــــــــــــود ....
غدا أعـــــــــــــود ....
غدا أعـــــــــــــود ....
غدا .........أموت ...

* * * * *

كرهته...
القنصل الأمريكي في بلد عربي
تمنيت ان يكون فظّا غليظا...
لأصبّ جام غضبي عليه...
ذهبت لانجاز معاملة لصديقتي بالوكالة...
فاستقبلني ورحّب بي...
ونظر مليّاً الى بياناتي المسجّلة..
ثم غاب دقيقة..
وعاد...
وضع أمامي استمارة وابتسم وقال:
ستحصلين على عمل في الجامعة...مع فيزا عائلية في خلال اسبوعين
حبستُ دموعي لئلا تنزل أمامه...
وقلت له : موافقة بشرط
أخرج المئة واربعين ألف جندي من بلدي
وعوّض شعبي عن كل معاناته ان كان يمكن التعويض
ابتسم وقال: آسف ليس هذا عملي..
أنا دبلوماسي ارعى شؤون رعايا بلدي
وقدّمت لك فرصة...


تذكّرت عميد إحدى الجامعات العربيّة
لم ينظر اليّ
لم يرفع بصره
لم يرد السلام
وحين علم أني اريد عملا
عاملني كجربٍ قابل للانتشار
لو كنتُ أجنبيّة ....لسجد لي !

* * * * *

فتحتُ المظروف الذي يخصّ صديقتي
حصلت على الجواز الأ مريكي
Usa ...مع الشعار المميّز للدولة المتمددة في بلداننا...
غصّة اثر غصّة...
بطاقة التهنئة التي ترافق الجواز مكتوب عليها:
"حصلتَ على الجواز الأمريكي....مبروك...العالم بين يديك"
صدقوا وهم الكاذبون...

ما إن مشيت في الرواق...
حتى تجمّع "العرب" حولي..
ظنّا منهم ان الجواز لي..
كلّهم ينظر اليه... وكأنه جواز المرور الى الجنّة
وكلّهم يتمتم...
"عقبالنا يا رب" !!!

* * * * *

خرجتُ من السفارة...
واتصلت بـ"ربى"
أنت محقّة...
لكنّي مازلت أصر على تجرّع مرّنا
بدل عسلكم...
ردت بعبارتها المعهودة:
" الله يشفيك " !!

الآلاف يتلوهم الآلاف..
تكفّلت بهجرتهم وتوطينهم الامم المتحدة..
لا عمل لي..
سوى توديع الاحباب والاصحاب
والبقاء وحيدة..
آه ... يا بلد..

* * * * *

شركات الهاتف لن ترحمك...
ستبتلع أموالك كل يوم..
ستنفق كل ما لديك على بطاقات الاتصال...
ويأتيك دوماً صوت..."رصيدك انتهى"
مثل صاعقة عاد وثمود..

* * * * *

يخيّل اليك أنك تسكن الوطن...
حين تغادره.... تكتشف أنه يسكنك !
احرص دائما على ان تحمل هاتفاً
وبطاقة اتصال....

* * * * *

حين أتصل بأحبابي في العراق...
وأبثهم أحزاني...
بعضهم يضحك...
يقول لو كنتم هنا لبحثتم عن الفرار...
والسفر والهجرة...
ربّما يتعجّون...
أننا نتغزّل بالأزبال المكدّسة في باب المعظم
والعواصف الرملية..
واستكان الشاي الحار في تمّوز...
والوقوف ساعات بالنتظار الـباص...
كلانا محق..
هذا هو بالضبط تعريف الغربة...
شئ يشبه العشق المحرّم ...
لا أنت تقدر على غشيانه ولا على نسيانه...

* * * * *



مسؤولينا....وزراءنا...ساستنا
احملوا كل ما استطعتم من أموال
وغادروا وليأت غيركم
واتركوا البلاد...
لمزيد من الأحزان...
خرّبوا ما استطعتم من صروح العلم فيه
لا مكان للعلم في دولتكم
دولة الجهالات والتخلّف...
اقتلوا العلماء...او املأوا بهم السجون...
لا تبقوا الا على الجهلة...
فهؤلاء يسهل حكمهم..
ستعرفون قريبا أو لعلّكم عرفتم...
أن لا جاهل في العراق...
ويوم الحساب اقترب...
* * * * *

أيّها الأمل...
بالله عليك لا ترحل...
تعبنا من مطاردتك مثل ظل هارب...
اسقنا جرعة...
علّها تطفئ أوجاعنا..
وأوجاع هواتفنا ...
التي لو نطقت...
لزلزلت الجبال
وجففت البحار...
أيّها الأمل...
لا أريد سوى أن أموت على أرض بلادي..
في النجف...في الأعظميّة...لا فرق...
تحت نخلة...
علّ ترابه يبرئ أوجاعي بعد الموت...
فأنبت فيه يوما...
عشبة على شاطئ دجلة ..
أو تبعث روحي في نورس يطير فوق دجلة...





هذه أول مرة أنشر في منتداكم الكريم...اتمنى ان أكون ضمن عائلتكم
تحياتي...
نخيل العراق
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23-09-10, 01:19 AM
الصوّاني الصوّاني غير متواجد حالياً
جواهري
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 1
افتراضي نص...في قمة الجمال

لم أقرأ نصا نثريا في حياتي على الإنترنت , هزني كما هزني هذا النص , شيء جميل جدا ,
حزنتُ عندما لم أجد ردا على هذا الجمال , ولكن هذه هي حالنا نحن!!! ( لا تعليق) على حالنا....
لك ودي ...وننتظر المزيد من النصوص..
رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 06:18 PM.


Powered by vBulletin Version 3.0.0
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.