#1  
قديم 26-06-07, 10:46 PM
معبر النهاري معبر النهاري غير متواجد حالياً
جواهري
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 5
افتراضي الجواهري ومؤتمر المثقفين العالمي ( أحمد حسين )

الجواهري ومؤتمر المثقفين العالمي


في بولندا عام 1948



أحمد حسين


بعد رحيل شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في تموز 1997، ظهرت في الصحف والمجلات العربية مجموعة من المقالات والدراسات، تحدث البعض منها عن مشاركة الجواهري في «مؤتمر المثقفين العالمي ـ في الدفاع عن السلام»، الذي انعقد في بولندا عام 1948. ويبدو أن الكتّاب والنقاد الذين أشاروا إلى هذا الموضوع قد اعتمدوا على مذكرات الجواهري المنشورة، أو اعتمدوا على ذاكرتهم التي أغناها شاعرنا نفسه أثناء لقاءاتهم به خلال فترات معينة من حياته. ولهذا يمكن القول بأن الذاكرة وحدها كانت مصدر المعلومات لشاعرنا ولغيرة ممن كتب حول هذا المؤتمر، وكان من نتائج هذه الحالة ورود معلومات غير دقيقة وخاطئة في أغلب الأحيان. ويخرج قارئ هذه المقالات والدراسات(1) بعدد من التساؤلات، يدور البعض منها حول تاريخ انعقاد مؤتمر المثقفين العالمي، والجهة التي كانت وراء انعقاده، ويدور البعض الآخر حول أسماء رجال الثقافة والأدب والفن الذين شاركوا في هذا المؤتمر، وفي هذا الإطار ترد حكاية الجواهري الطريفة مع الفنان بابلو بيكاسو. ولكي تكون صورة الأحداث واضحة، لابد من مراجعة المصادر البولندية التي كتبت عن هذا المؤتمر، وتحدثت عن جوانبه المختلفة.

يقول كريم مروة في (ذكريات وأحداث ومواقف)، مجلة (المدى)، العدد 19، السنة السادسة 1998، وهو العدد المكرس للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري: «لم تنقطع علاقتي بالجواهري، بعد العودة إلى لبنان، إلا أنها كانت علاقات متقطعة، فقد زار لبنان أربع مرات، الزيارة الأولى، كانت في أواخر عام 1949، في طريق عودته من مؤتمر المثقفين العالمي في وارسو، الذي كان دعا إليه مجلس السلم العالمي. أقول عام 1949، رغم أن الجواهري ذكر في ذكرياته أن تاريخ انعقاد ذلك المؤتمر هو عام 1948..».

إن الكاتب كريم مروة قد أخطأ في تحديد زمان ومكان انعقاد مؤتمر المثقفين العالمي، وفي تحديد الجهة التي كانت وراء انعقاده. والحقيقة هي أن هذا المؤتمر ـ وكما ورد في بداية الموضوع ـ انعقد في عام 1948، في مدينة فروتسواف الواقعة في غرب بولندا، وليس في وارسو العاصمة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن مجلس السلم العالمي لم يكن وراء انعقاد المؤتمر لأن هذا المجلس تأسس بعد مؤتمر وارسو لأنصار السلام والذي انعقد في عام 1950، ولابد من التأكيد هنا هو أن مؤتمر فروتسواف لم يكن مؤتمراً تأسيسياً لحركة أنصار السلام ـ التي ظهرت بعد مؤتمر باريس عام 1949 ـ ولم تنبثق عنه حركة السلم العالمية، كحركة ذات إطار تنظيمي عالمي.

بدأت أعمال (المؤتمر العالمي الأول للمثقفين ـ في الدفاع عن السلام) في صباح يوم الأربعاء 25 آب 1948، على قاعة كلية الـ«بوليتكنيك» (Polytechnic) في مدينة فروتسواف. وقد تكونت رئاسة المؤتمر من خمسة أعضاء هم:

يشي بوريشا (1905 ـ 1952) ـ ناشر وصحافي بولندي ـ السكرتير العام للمؤتمر، جوليان هكسلي (1887 ـ 1975) ـ فيلسوف وكاتب بريطاني ـ وهو شقيق الكاتب ألدوس هكسلي وأحد مؤسسي منظمة اليونسكو ومديرها العام حتى سنة 1949، ألكسندر فاديييف (1901 ـ 1956) ـ كاتب روسي ـ ورئيس وفد الاتحاد السوفيتي، مارتين أندرسن نكسي (1869 ـ 1954) ـ روائي دنماركي ـ وعضو الحزب الشيوعي الدنماركي حينذاك، إيرينا جوليت كوري (1897 ـ 1956) ـ عالمة في الفيزياء وعضو الوفد الفرنسي.

في مذكرات الجواهري (الجزء الثاني) وكذلك في عدد من المقالات، يرد ذكر (مدام كوري) أو (مدام كوري) الحفيدة. إذا كان المقصود هنا بمدام كوري هي (ماري سكودوفسكا كوري 1867 ـ 1934) عالمة الفيزياء البولندية المولد، والفرنسية الجنسية، الحاصلة على جائزة نوبل للفيزياء عام 1903، فإنها، وكما هو واضح هنا، قد رحلت عن عالمنا قبل انعقاد مؤتمر فروتسواف بأربعة عشر عاماً. أما إيرينا جوليت كوري (1897 ـ 1956) فهي البنت الكبرى لمدام كوري، وليست الحفيدة، وهي الوحيدة من هذه العائلة التي حضرت ذلك المؤتمر، بعدما اعتذر زوجها فريدريك جوليت كوري (1900 ـ 1958) عن المشاركة في المؤتمر، ولم تكن هذه المرأة فتاة فاتنة أثناء انعقاد المؤتمر عام 1948 وإنما كانت قد تجاوزت الخمسين عاماً، وقد أرهقها العمل في مختبرات الفيزياء مثلما أرهق والدتها من قبل.

وقد شاركت في هذا المؤتمر وفود عديدة، بلغ عدد أعضائها 500 عضواً، من رجال الثقافة والفكر والفن، مثّلوا 46 بلداً من أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية والولايات المتحدة، وفي المؤتمر استخدمت سبع لغات للترجمة وهي: الإسبانية والفرنسية والإنكليزية والروسية والإيطالية والألمانية والصينية. وكان الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري (1903 ـ 1997) العربي الوحيد الذي شارك في هذا المؤتمر، رغم أن لجنة باريس للمؤتمر كانت قد وجهت دعوات، ومن خلال الحزب الشيوعي الفرنسي ـ إلى عدد من الشخصيات الثقافية والأدبية في كل من لبنان وسورية ومصر والمغرب العربي.

ورد في مقالي (الجواهري بين مقارعة الطغاة والتشريد) للدكتور مجيد الراضي، و(الجواهري يتذكر أمجاده ومواجعه) للدكتور محمد حسين الأعرجي (مجلة المدى) العدد السالف الذكر، أسماء عدد من رجال الثقافة والفن الذين شاركوا في مؤتمر فروتسواف، ومن هذه الأسماء: ألبرتو مورافيا، لويس أراغون، وبابلو نيرودا، هؤلاء الثلاثة لم يشاركوا في هذا المؤتمر ـ وقد سبق وأن ذكرنا أسماء أبرز المشاركين ـ وبالنسبة للشاعر لويس أراغون فقد حضر لأول مرة في في مؤتمر وارسو لأنصار السلام عام 1950، أما الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، فإنه لم يتمكن من المشاركة في مؤتمر فروتسواف وكذلك في مؤتمر وارسو، بسبب أوضاعه السياسية في بلاده، وفي كانون الأول 1971 زار بابلو نيرودا وارسو بمناسبة عرض مسرحية من تأليفه في مسرح (ستوديو) البولندي، وفي عام 1973 كان من المفترض حضوره في الندوة العالمية التي دعا إليها مجلس السلم العالمي، والتي انعقدت في مدينة فروتسواف في أيار من ذلك العام بمناسبة مرور ربع قرن على مؤتمر فروتسواف، وكان من المفترض أن يلقي نيرودا كلمة خاصة بمناسبة رحيل صديقه الفنان بابلو بيكاسو ـ الذي رحل عن عالمنا في 8 نيسان 1973 ـ ولكنه اعتذر عن المشاركة في هذه الندوة، وقبل أيام قليلة من انعقادها، وبسبب التطورات السياسية في بلاده والتي سبقت انقلاب أيلول الفاشي عام 1973.

كان من أبرز الحاضرين في هذا المؤتمر من رجال الثقافة والفن في العالم: الفنان بابلو بيكاسو (1881 ـ 1973)، الشاعر الفرنسي بول إيلوار (1895 ـ 1952)، الشاعر الأفريقي ـ الفرنسي إيميه سيزير، الرسام الفرنسي فرناند ليغر (1881 ـ 1955)، الكاتب السويسري ماكس فريش (1911 ـ 1991)، الراهب والكاتب البريطاني هولت جونسون (1874 ـ 1966)، الكاتب الروسي إيليا إرنبورغ (1891 ـ 1967)، المخرج والكاتب المسرحي التشيكي إميل بوريان (1904 ـ 1959)، الكاتب البرازيلي ـ الأمريكي جورج أمادو، الكاتب الروسي ميخائيل شولوخوف، الكاتب الألماني فريدريك وولف (1888 ـ 1953)، الرسام البولندي ـ البريطاني فليكس توبولسكي، الكاتب الأرجنتيني ألفردو فارلا، الكاتبة الألمانية أنا سيجر، والنحات الأمريكي جو دافيدسون.

وفي مساء السبت 28 آب، وبعد حضور الحفل الجماهيري الذي أقيم في قاعة الشعب في فروتسواف، غادر بيكاسو بالقطار هذه المدينة إلى وارسو ضمن أعضاء وفود مؤتمر المثقفين. وهنا لابد من العودة إلى مذكرات المترجمة البولندية (إيفا ليبنسكا)، حيث تروي حكاية طريفة، حدثت قبل أن يتحرك القطار من محطة فروتسواف، تقول هذه المترجمة: «لقد كنا أنا وبيكاسو، وإيلوار، ومارسيل بوودين، والشاعرة مادلين دايكس وعدد آخر من أعضاء الوفد الفرنسي، نبحث عن عربة النوم التي خصصت للوفد الفرنسي، وعلى رصيف المحطة التقينا بمراقب القطارات، وقبل أن أسأله عن مكان العربة المخصصة لنا، نظر هذا الرجل إلى بيكاسو، وقال: لدي مكان خاص للسيد بيكاسو، حيث فتح لنا أبواب عربة المطعم ووضعها تحت تصرفنا، ويبدو أن شعبية بيكاسو كانت وراء هذا الأمر، وبعد أن أخذنا مكاننا في العربة، صعد عدد من أعضاء وفود المؤتمر من الفرنسيين وغيرهم، وفي اللحظات الأخيرة، التحق بنا أحد المشاركين في المؤتمر وهو من البلدان الآسيوية، أو من بلاد الشرق، وكان هذا الرجل لا يتقن أي لغة أوربية، وبعد أن تحرك القطار، وبدأت عاملة المطعم في توزيع الشاي علينا، اكتشف هذا الرجل الشرقي بأنه يجلس على مائدة واحدة مع بابلو بيكاسو، وهذا ما دفعه إلى التكلم وترديد اسم بيكاسو بحالة من الفرح والدهشة، أثارت جميع الحاضرين، ومادام هذا الرجل الشرقي كان يستخدم لغة الإشارات، ولم يكن التفاهم معه سهلاً، فإنني كنت في حيرة من أمري، ولكن الذي حدث هو أن بيكاسو نفسه أنقذ الموقف، حيث صعد فوق الكرسي وبدأ يغني ويردد ألحاناً شرقية، ويرقص على طريقة أهل الشرق (هز البطن)، أما الرجل الشرقي فقد راح يصفق على طريقته الخاصة مشاركاً بيكاسو في ألحانه، وقد جذب هذا المشهد كافة الجالسين في العربة الذين غرقوا في الضحك، وكانت لحظات لا تنسى، حيث أن الفرح والسرور غمر الجميع..».

يروي شاعرنا الكبير الجواهري في مذكراته (الجزء الثاني) حكاية لقائه بالفنان بابلو بيكاسو وذلك «في القطار الخاص الذي نقلهم إلى باريس»، ويبدو أن الجواهري قد التقى الفنان بيكاسو في القطار الذي نقل وفود المؤتمر مساء يوم السبت 28 آب من فروتسواف إلى وارسو، ذلك لأن بيكاسو قد غادر بولندا بالطائرة صباح يوم الإثنين 6 أيلول. وقد ذكرنا أعلاه حكاية لقاء بيكاسو برجل شرقي في قطار يوم السبت وقد يكون هذا الرجل هو شاعرنا الجواهري، وبعد هذا لا أدري إن كان الجواهري قد حضر مؤتمر باريس عام 1949 والتقى بيكاسو في ذلك المؤتمر، مثلما شارك في مؤتمر فروتسواف عام 1948، وفي هذه الحالة تغيرت مواقع الأحداث والأسماء والتواريخ في ذاكرة شاعرنا الكبير، وربما معرفة التاريخ لقصيدة (أنيتا) التي تحمل اسم الفتاة الجميلة التي التقاها شاعرنا في باريس، سيساهم بدون شك في حل إشكالية موضوع حضور الجواهري مؤتمر المثقفين العالمي. وهذا الأمر متروك لكتّاب سيرة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.


الهوامش

(1) على سبيل المثال، يمكن الاطلاع على مقالات السادة: كريم مروة، مجيد الراضي ومحمد حسين الأعرجي في مجلة (المدى) العدد 19، السنة السادسة 1998، وهو العدد المكرس للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.



المصادر

مصادر المعلومات الواردة في هذا الموضوع هي مجموعة من الصحف القديمة والمجلات والوثائق البولندية، وهي متوفرة في المكتبة الوطنية في وارسو، إضافة إلى مؤلفات عن بابلو بيكاسو باللغة البولندية.
رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 11:16 AM.


Powered by vBulletin Version 3.0.0
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.