مرثية شاعر العرب الأكبر.. الجواهري .

طويتَ من الأعمار أثقلَها مَسْرى
فنلتَ من الآمال أرفعَها ذكرا

وكنتَ لساناً أخرسَ الدهرَ نُطْقُهُ
وأعيى بليغَ القولِ مُعجزُهُ سِحْرا

أضاء دجنَّ الليلِ طرسٌ نشرتَهُ
فللأرض شعرٌ والسماءُ لها الشِّعرى

على أنّ ما أمليتَ من وحيِ ملهَمِ
كفيلٌ بما خطَّ الخلودُ وما أطرى

ونحن على ما صُغْتَ من ذَوْبِ مُهْجَةٍ
عِيالٌ فكم أسديتَ من مِنَنٍ كبرى

سقيتَ فأسكرتَ الطّروسَ فأسكرتْ
نفوساً ترى في الخمرِ أثقلَها وِزْرا

تنفَّسُ عن همّ وعُسْرٍ وغربةٍ
وبؤسٍ وتشريدٍ شُغلتَ بها دهرا

وما كنت بالجافي إذا الوصلُ دونه
شِعابٌ تهابُ الجانُ مسلكَها الوعرا

خليلاكَ في سودِ الليالي وبيضِها
يراعٌ يُحيلُ الدّاجياتِ رؤىً زهرا

وطُرْسٌ يحارُ الفكرُ من بعضِ ما بهِ
حروفٌ متى ما شِئتَ تقذفُها جمرا

على كلّ مَشّاءٍ بما يُخْجِلُ الخُطى
زنيمٍ يرى عِهْرَ النِّجارِ له فخرا

تردّى ثياباً أحكم الظلمُ نسجَها
على هيكلٍ للسوءِ آيتُهُ الكبرى

ثيابٌ تُريك الشرَّ في شرِّ صورةٍ
وتكسو من الأدواءِ أفتكَها طُرّا

وإن شئتَ تُجريها مع الفجر نشوةً
نؤاسيّةً من كلّ فاتنةٍ أغرى

تُرينا ليالي شهرزادَ وما بها
من السّحرِ من ألفٍ مُعتَّقةً حمرا

تتيه على الإبداعِ في وصفِ عالمٍ
تغيب عن الأوهام رَوْعتُهُ الغرّا

بحيث عيونُ الشعر أروعُ فتنةً
من الأعين النجلاء ناعسةً سكرى

تبارك ذاك الطرسُ ما أكرمَ الذي
أفاض وما أجدى بمُجدبةٍ وَفْرا !

سئمتَ حياةَ الناسِ لا البرّ ترتجي
لديهم ولا للدهر تحملُهم ذُخْرا

وكنتَ على الحالين من غير صاحبٍ
سوى صاحبٍ يُبكيكَ من جَذَلٍ فخرا

وطفتَ بلادَ العُرْبِ لا أرضَ غاشمٍ
أقمتَ بها حتى هربتَ إلى أخرى

بلادٌ تفيض الخيرَ في كل وُجهةٍ
على أن أهليها قد افتقدوا الخيرا

يرودون أصقاعاً وهم موئلُ الغنى
ويرجون أنواءً وهم ملكوا البحرا

قصارى أمانيهم فراقٌ وغربةٌ
وعيشٌ يُريكَ الموتَ أمنيةً كبرى

وكنتَ نديمَ الشامِ والشعرُ خمرةٌ
بكأس القوافي الغرِّ تُطربُها سُكْرا

فما الشامُ في عينيكَ إلا صبابةٌ
وآهاتُ مشتاقٍ تؤرّقُهُ الذكرى

وما الشامُ في عينيكَ إلا كرائمٌ
تفيضُ على اللاجين من كرمٍ بحرا

شأت فاستظلّ الدهرُ في ظلّ عطفها
فكم برأتْ جُرحاً وكم كشفتْ ضُرّا

فيا جيرةً في الشام سَقْياً لأرضكم
وَرَعْياً لمن غنّى لمشرقها عمرا

عادل الكاظمي


المصدر :

5 تعليق في “مرثية شاعر العرب الأكبر.. الجواهري .”



  1. تعجز قريحتي ولغتي عن وصف شاعر من العظماء، فمهما قلت في هذا الشاعر لا اعطيه حقه في الوصف فغاش الجواهري وعاش عراقه وعاش كل من سار على ذكراه

    هشام داود

    فلسطين

  2. اسماعيل حقي- العراق

    لقد أبدع الشاعر الكبير عادل الكاظمي في هذه المرثية التي تليق بشاعر عظيم كالجواهري

    فشكراً للأخ عادل على هذا الأبيات الخالدة.

    اسماعيل

     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.