لحظات مع شاعر العرب الاكبر الجواهري : المهندس فؤاد السعيد .

 لحظات مع شاعر العرب الاكبر الجواهري .
                    المهندس فؤاد السعيد .
[02-01-2006]
 بما ان الشعر يولد في العراق ويترعرع في سوريا ويموت في مصر  هذا ما قاله يوما الاديب المصري الكبير د.طه حسين .
اذن كل عراقي هو شاعر وان لم يعلم أو يشعر , ومنذ صغري وأنا احب الشعر وأحفظه وحاولت ان انظم الشعر ولكن باءت محاولاتي بالفشل, وقد حفظت الكثير من الابيات الشعرية ولحد الآن اتذكر الكثير , ورغم ان اتجاه دراستي علمي فاني كنت اكتب الشعر بصورة متسرعة وغير مترابطة وكنت اشتري دواوين الشعراء بما املك من دنانير قليلة وأقرأ حتى الحفظ عن ظهر قلب , ومن بين الشعراء الذين كنت احبهم واستمتع بقراءة اشعارهم شاعر العربية الاكبر ابو الطيب المتنبي ,الذي نظر الاعمى الى أدبه وأسمعت كلماته من به صمم, والذي كان ينام ملء جفونه عن شواردها ويسهر الناس جرّاها ويختصم, والذي قتله بيت شعر قاله مرة وهو يفتخر بنفسه :
الخيل والليل والبيداء تعرفني
                والرمح و القرطـاس والقلم
عند عودته من مصر بعد ان هجا حاكمها كافور بأقذع الهجاء :
لا تشتري العبد الا والعصا معه
                        ان العـبيد لأنجـاس مناكـيد
وفي طريقه الى العراق خرج له بعض الفرسان من بني اسد وعندما هم بالهرب ذكّره خادمه ببيت الشعر..الخيل والليل… فقال له قتلتني ,وانتهت حياة هذا الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس,وهو شاعر الحكمة الذي اعجب به الشاعر الفيلسوف المعري ايما اعجاب لحد انه قال انا الاعمى الذي نظر الى أدبه .
ويجرني الحديث الى عام 1974 حينذاك و لأول مرة ارى عن قرب شاعر عملاق طالما قرأت شعره وحفظته وهو متنبي القرن العشرين شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري بقامته العملاقة وطاقيته التي لم تفارقه , عندما حضرت مؤتمر جمعية الطلبة العراقيين في براغ وكان الشاعر الجواهري من ضيوف المؤتمر , وقد القى بالمناسبة قصيدة قديمة له مطلعها :
قل للشباب تحفزوا وتيقظوا …
ومنذ ذلك الوقت وأنا أرى ابو فرات يوميا كلما ذهبنا بعد الدراسة الى مقهانا سلافيا المطل على نهر الفلتافا والمقابل للمسرح الوطني في براغ الجميلة .
وكنّا نحترم خلوة ابو فرات مع السيدة زوجته ولم نرد ان نزعجه , بعدها تعرفت على الزميلة خيال الجواهري ابنة الشاعر والاخ رواء الجصاني وبعدها في ليبيا تعرفت على الاستاذ أياد الجواهري الذي كان يدرّس في جامعة الفاتح في طرابلس وشاهدنا معا تسجيلا مصورا لحياة الجواهري يرويها بنفسه , وحتى أصل الى موضوع العنوان , أذ كنت في براغ في منتصف الثمانينات وكان والدي يزورني للاطمئنان علي بعد عملية جراحية اجريت لي من جراء حادث سيارة , وعند توديعي لوالدي في مطار براغ لمحت الشاعر الكبير ابو فرات جالسا لوحده في مقهى المطار فسألت والدي ان كان يعرف أو سمع بالجواهري فقال المرحوم والدي طبعا وهو مشهور بالبصرة بمحله لبيع الزجاج واطارات الصورالخشبية, ولمن عاش في البصرة فهو يعرف محل بيع الزجاج قرب ساحة ام البروم القديمة أو بداية شارع المغايز كما يسمى آنذاك, ضحكت طويلا وأنا اسمع والدي يقول ذلك وكنت متيقنا انه لايعرف الشاعر الجواهري خاصة وانه اكمل الابتدائية فقط .
فأشرت لوالدي الى الجواهري بعد ان صحّحت معلوماته فما كان منه الا الاتجاه اليه والسلام عليه بحفاوة وكأنه يحفظ شعره عن غيب ويقتني دواوينه , وبدوري سلّمت عليه , وعندما صعد والدي الى الطائرة تشجّعت واتجهت لاجلس بالقرب منه واتجاذب معه أطراف الحديث ولأول مرة بعد هذه السنين الطويلة , وبعد أن عّرفته بنفسي وحتى يطمئن لي اكثر اخبرته بصداقتي وزمالتي للاخت خيال ابنته , وكم هي فرحة لي وأنا اجلس أمام هذا الشاعر العملاق الذي قال عنه الدكتور طه حسين وهو يسمعه يلقي قصيدة في مهرجان المعري :
قف بالمعرة و امسـح خدها التربا
                         وأستوح من طوّق الدنيا بما وهبا
وأسـتوح من  طبب الدنيا بحكمته
                         ومن على جرحها من روحه سكبا
خذوني اليه انه لرب الشعر . قال : الآن جئت من دمشق وأشعر بالوعكة ولكن رغم الطقس الباردالذي تتميز به براغ في يناير أشعر بالراحة النفسية والجسدية , وتحدثنا عن الشعر , فقال لي جملة لا زالت ترن في اذني , لقد باعني الشعب العراقي , فقلت له : ومن يستطيع ان يبيع ابو فرات وأنت شاعر العرب الاكبر , شعبنا مغلوب على أمره  ومن الصدف التي لا أنساها في ذلك اليوم اني قلت لبعض الاصدقاء التشيك الذين أوصلوني ووالدي الى المطار , هذا الرجل هو شاعر العرب الاكبر الجواهري والذي يعيش في براغ ويحبها كثيرا كما احبها ولكن لم استطع ان اخلّدها كما خلّدها برائعته :
أطلت الشوط من عمري
            أطـال الله في عمـرك
أو
اعلى الحسن أزدهاءا وقعت
        أم عليها الحسن زهوا وقعا
والصدفة هي صدور مجلة تشيكية في نفس اليوم وهي تنشر مقابلة للجواهري باللغة التشيكية وكان العنوان : (يادجلة الخير يا ام البساتين) او تيكريس ، فأشتريت المجلة وذهبت الى اصدقائي لأريهم المجلة وأثبت لهم مصداق قولي ولم أرد ان ازعج ابو فرات بالمكوث طويلا فسلمت عليه وتمنيت له الصحة وطول البقاء لاثراء الشعر اكثر فأكثر .
ومع حزني الشديد على فقدان هذه الثروة الادبية العظيمة التي نفتخر بها اينما ذهبنا , على وفاته وهو بعيدا عن بلده الحبيب الذي كان يناجيه عن بعد وبقي غريب الدار يحيي دجلة عن بعد ولم يدري ان دجلة تبادله التحية بأحسن منها ,ولكن لم يرو ظمأه من سفحها ولم يعش ليرى "ابن الخنى" الذي اسقط عنه الجنسية العراقية يختبئ كالجرذ ,ويخرج وهو مهان , مكسور الجناح, وصدق به قول الشاعر الكبير الجواهري .. باق وأعمار الطغاة قصار.. وهكذا سيذكر الناس والتاريخ شاعرنا الكبير الذي عاش بعيدا عن وطنه وبقي مرفوع الرأس يملأ الدنيا ويشغل الناس كما كان المتنبي …
وأتمنى ان يعاد جثمانه ليطويه الوطن الذي احب ويصبح الحلم حقيقة ويصبح هذا الوطن الذي غرد له اجمل الالحان وأعظم الشعركفنه وليرح ركابه ,فكفاه موحش الدرب الذي قطعه دون أن يعود الى عشّه , فقد طال شوقه الى العراق ويكفل الوطن اخيرا له دارا فنم قرير العين ياأبن الفراتين فقد أصغى لك البلد وقالوا بانك فيه الصادح الغرد , وليزوره محبّي الشعر والشعراء كلما حلت ذكرى رحيله,ويقدموا له الحب والعرفان والاحترام وآكاليل من الزهر مطرزة.

الصورة عام 1974في مؤتمر جمعية الطلبة العراقيين في براغ و يبدو بالصف امامي الشاعر الراحل الكبيروبجانبه السفير العراقي نعمة النعمة والاستاذ عادل حبه وفي الصف الخلفي من اليمين كاتب المقال وبجا نبه الدكتور تالي المالكي الذي توفي سبتمبر الماضي كما يبدو في اقصى الصورة الدكتور عبد الحسين شعبان وجمع من الطلبة العراقيين والعرب .
                                                  المهندس فؤاد السعيد .


المصدر : صحيفة صوت العراق http://www.sotaliraq.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.