أنا مني كيف أحترس ؟.

لجواهري : أنا مني كيف أحترس ؟
 عبد الكريم كاظم – 23-06-2006

متى نغلق باب الرثاء لنحرر كلمات القصيدة التي أختارت لنفسها الطرق على هذه الأبواب ؟ تلك مجانية الرثاء التي لا تقبل لشاعرها الراحل غير الوصف الكامن وراء حدود الالفاظ الرتيبة الخاوية من المعنى ، المتبرجة بالحزن .

هل يموت الشعر بموت الشاعر ؟ الشاعر فقط يعتقد إنه يعيش في عالم ثنائي القطبية .. الشعر / الموت ، ويعتقد أيضاً ان القطب الثاني لا يمكن أن يكون على غرار القطب الأول منذ شعر المعلقات وحتى وقتنا الراهن ، واذا كان أعتقاد الشاعر ذرائعياً فلقد تبين بالتجربة والمغامرة ، بالطبع ، أن وطنه هو ذاته وطن القصيدة من حيث المعنى فتكاد القصيدة تكون هي وحدها التي تواجه الموت .. عزلاء ومجردة ومحاصرة وفي عرائها هذا تتحدى الموت ، التعصب ، القمع والتطرف ، مرة أخرى نرى … الشاعر والقصيدة يتحديان الموت والتسلط ويحددان الحياة والجمال ، من هنا أيضاً يُضحكني الموت عندما يظنّ إنه قد يُخفي اثر الشاعر .

قد يُسأل الشاعر : ألم تتعب من حمولة الأحلام ؟ سيُجيبنا : أن الأحلام أوفى من الأصدقاء ، ما الذي ستقوله لو طُلب منك ان تفتح ألبوم حياتك أو أحلامك ؟ سيُجيبنا ثانية : سيكون هناك حلم آخر وقصيدة أخرى .. تنتظر ، إذ ينبغي لنا أن لا نتنازل عن حقنا في الحياة ، الجمال والأحلام لمؤسسة الموت التي تُدار من قبل المنفى ، وانطلاقاً من هذه الإجابة .. اثبت الشاعر إنه مخلوق غير قابل للهزيمة واثبت أكثر إنه مصاب بحمى الجمال ، اليقين ، السحر ، الخلق والابتكار حينذاك سينهض الشاعر من غفوته / موته لكتابة قصيدة ما ، فإنه يقاوم كل شيء ويلاحق الحياة ويدنو من القارئ ليلقيه ثانية في متاهات الجمال بالمعنى الفلسفي للكلمة وبهذا يمكن للشعر أن يكون بديلاً عن الموت فسلطة الشاعر فوق كل شيء لأنه يملك سلطة الكلام .. وأعني هنا الكلام الشعري هذا ما يقوله ( بيير بورديو ) : ( إن أي أداء للكلام سيكون عرضة للفشل إذا لم يكن صادراً عن شخص يملك سلطة الكلام ) وليس كمن الجواهري يملك سلطة الكلام الشعري ولذلك نحترس منه مثلما نحترس من البلاد ونخاف على مساحات الحلم المستبدة فينا التي تستطيع التسلل إلى الروح بفصاحة الرعشة وكبرياء القشعريرة .

***
الجواهري
أخبرني يا شاعري الكبير
ما الذي مات فينا ؟
وما الذي مازال حيـاً ؟
هـل مازالت يديك تربتُ على الحروف ؟
كي لا ينعس الشعر
ها أنت وقد سئمت الغربة
فخرجت مزهواً
تضرب في شوارع وأزقة تتوخاها خالية من البشر
كيلا تضطرب عزلتك
وتتركك تتخبط ملتاعاً
ومتسائلاً :
أين هي دجلـة الآن ؟
وهل كان تراب النجف أوّلـى ؟
يا بن الفـراتين …
الأيـامُ مُـرّة
تتناسل مع قهوة الصباح
بعد منتصف الموت تحلّ بغداد شعرها
وتنتظر خلف الباب
ستقول لها…
لكل منا غربته
لكل منا محنته
فقد سقطت أنجمُ اليقين من سمائك المتعالية
وسحقتك الحشرات و الحسرات
لا فائدة الآن :
من الشعر
من الصراخ
من الحنين
من البكاء
من التذكر
هل تعيد الماء المنسكب إلى قارورة الأيام ؟
أم ستبقى كعادتك…
تفترش البيت ورداً لمن تحب
وتهمس كــل ثانية…
( يا دجلــة الخير خليني وما قسمـت )
القطارات التي أخذت حنينك  لن تعود
فماذا قالت الأشعار للبلاد التي حولتنا للمنافي
تسألنا المنافي
وأنا أُنصتُ ــ إليكما معاً ــ  دون أن أدري
من أين جئتم ؟
أتمتم من خلف قصائدك  وأمضي
لكن ..أرق القصيدة يسألني :
إلى أين تمضي ؟
أقول العــراق
هذا الذي …
أنا منـه كيف أحترسُ
***
لينتظر الموت قليلاً
حتى ننتهي من تدوين أوجاعنا القديمة
واستبدال خيباتنا المتواصلة
في وطن تحول قانطيه إلى تماثيل
يشربون الشاي
يتبادلون النكات السمجة
ويتهامسون على الطرقات
التي يتفشى من عروقها العطب
ما أوسع الشروخ
ما … أ… و… س… ع… .
***
حين تعبت القصيدة ..
هل تعبت القصيدة ؟
فأولدت للموت شموساً
أخترقت كثافة الأكفان
قد يبدو هذا الغياب مثقلاً بالغرابة
لولا أن البلاد تختزل رؤيتها لأمر الشعراء
عبر مسار المنفى
وصلافة السلطان
وقولك هذا :
( كلما حدثت عن نجم بدا    حدثتني النفس ان ذاك أنا )
***
أوصيك أيها الموت
وانت تشق طريقك نحو قبر الجواهري
أوصيك ألا تخبره بما حدث ويحدث في البلاد
وأن لا تصف له حال دجلة اليوم
وإن أضطرك إلى الكلام
أعتذر له
أو أكذب عليه
أزعم أن هناك
مثلاً :
بدل الظلام نهار جميل
بدل الخراب نعيم مقيم
بدل الغربان بلابل الحب
بدل السجون حدائق
أكذب .. أكذب حتى يصدقك ( أبا فرات )
آنذاك فقط
تستطيع ان تمضي بهدوء
وينام الشاعر بسلام .
-*-
عبد الكريم كاظم
23ـ يونيوـ2006


* الكلمات مابين الأقواس ، الأول : صدر إحدى الأبيات الشعرية من قصيدته المشهورة يا دجلة الخير والثاني : من قصيدة جناية الأماني .
* عنوان القصيدة : من لزوميات أبي العلاء المعري يقول فيها : ( مهجتي ضدٌّ يحاربني *أنا مني كيف أحترس ) .

المصدر : صحيفة عراق الكلمة http://www.iraqalkalema.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.