شسع لنعلك … كل موهبة .

* نظمت أبيات منها عام 1973.
* أكملت في براغ عام 1976.
* نشرت في ملحق جريدة " الجمهورية " العدد 2814 السبت 27 تشرين الثاني 1976.
* أثيرت، عند نشرها، ضجة، وتجرأ من قال: أن الشاعر يمدح، في قصيدته، محمد علي كلاي !.
* بادرت جريدة " الثورة " إثر هذه الضجة، فعقدت حديثاً صحفياً مع الشاعر، نشر على الصفحة الثامنة من العدد 2599 الإثنين 24 كانون الثاني 1977.
* في الحديث عرض الشاعر لدوافع نظم القصيدة، وكيف بدأ نظمها، وكيف أنتهت بعد أن وضعها جانباً، ولم يفطن إليها..
* فيما يأتي نص الحديث الذي كان بعنوان:
الجواهري
أتمنى أن يكون في المخاض جواهري جديد
" الشتاء، خارج حجرته، يحيط الأشياء بطبقة من الجليد.. إلا مشاعره لذلك، ومنذ أكثر من خمسين سنة، يواصل الجواهري مهنة اصطياد الصور التي تتمثّل في قصائد ( ساخنة ) تهزأ بالشتاء، والبرد، والجليد.
* ألم تتعب ؟ ألم تنته الصور ..؟
– يضحك .. ثم يقول ( ما أكثر الصور ! لو أخلق من جديد، لو أعطى خمسين مرة هذا العمر.. ما انتهت الصور .. ).
* ألا تؤثر عليك المواسم ؟
– التقاط الصورة أهم شيء، وفي هذا يصادفني الصعود والنزول، فقد تعقب الفورة، درجة انجماد.. لكني لم أصل يوماً إلى ما تحت الصفر !
* قصيدتك الأخيرة عن ( كلاي ).. لماذا أثارت كل تلك الضجة ؟
– توقعت ذلك، لأني أتحدث فيها عن المدى الذي وصل إليه ضياع المقاييس، في هذا العالم، إن كلاي محض حجة للانطلاقة.
* كيف تفسر اعتقاد البعض، بأنك تمتدح هذا الملاكم ؟
– لا أريد أن أصدق.. أن هناك من يقرأ الشعر، ويسيء فهمه إلى هذا الحد.. هذه وصمة !.
* وهل تعتقد أن إعجاب الناس بالجواهري، يمكن مقارنته بإعجابهم بكلاي ؟
– ليس تواضعا مني، فأنا واثق من نفسي، لكن إعجاب الناس بأكبر عبقرية بيننا، محدود بحدود مجتمعنا، حتى طه حسين.. بعظمته لم يخترق كل العالم.
يواصل: " في بيتنا.. نحب كل أنواع الرياضة واللطافة والسباحة والكرة و .. إلا الملاكمة، حين أراها أغلق التلفزيون ".
ويشعل سيكارة يحرق فيها حنقه، لكن الراحة تعود إليه عندما يستعيد ذكرى كتابته لتلك القصيدة:
" قبل 3 سنوات تقريباً، كنت مسافراً على الطائرة العراقية إلى براغ، وعندما وزعت المضيفة علينا بعض الجرائد قرأت خبراً بارزاً عن نزال كلاي المرتقب آنذاك.. فتناولت أقرب ورقة إلى يدي، وكانت ورقة نشاف صغيرة، وبدأت أكتب مطلع القصيدة..
يا مطعم الدنيا وقد هزلت
                شحماً بلحم منه مقطوب
.. ومشيت بها بيتاً بعد بيت، حتى حطت بنا الطائرة فنسيتها تماماً.. إلى ما قبل فترة قصيرة، حين طلبت إلي اللجنة المكلفة بإعداد ديواني، كل قصائدي غير المكتملة، فعثرت على تلك الورقة المهملة، التي قرأتها على أحد الأصدقاء، فقال لي: ( هل هذه قصيدة تترك ؟) وعدت للبيت، وسهرت الليلة، مع انفعالاتي، ودون أي تعب، وبكل سهر لذيذ، اكتملت القصيدة مع الضحى.. وظهراً كنت أتلوها على مسامع ذلك الصديق ".
ويشير الجواهري إلى أبيات لم تنشر مع القصيدة، سهواً، منها:
ومرقصاً منها كما انتفضت
                   نطف الحباب بكأس شريب
وكما تراقصت الدمى عبثا
                   ما بين تصـعيد  و تقريب
يطفئ سيكارته، ويقول إن الجزء السابع من الديوان، سيضم أكثر من 20 قطعة، تصلح كل واحدة أن تكون قصدية طويلة.
* والشعراء الجدد، هل تتوسم في أحدهم ملامح الجواهري حين كان شاباً ..؟
– لا أتوسم فيهم الجواهري لكن ليس معنى هذا أنه لن يطلع.. فقد يكون في المخاض، وأسأل الله أن أكون حياً وأراه ويسد المسد.
ويتذكر قصيدة كتبها في مطلع شبابه، يقول أحد أبياتها:
كلما حـدثت عن نجم بدا
                حدثتني النفس أن ذاك أنا
وينهي الحديث قائلاً : " أتمنى لو هناك، على الأقل، من تحدثه نفسه بأن يكون أنا ".

رسالة إلى محمد علي كلاي
        من :
            محمد مهدي الجواهري
            تلاكم وخصمه فهزمه
              وأدماه فحاز إعجاب العالم وملايينه !!.

يا مُطْعِمَ الدنيا – وَقَدْ هُزِلَتْ –
لحماً بشحمٍ منه مقطوبِ (1)

ومزيرَها يقظى وغافيةً
أطيافَ بادي البطش مرهوبِ (2)

يا حالباً من ضَرْعِها عَسَلاً
عن غيرِ سُمٍّ غيرَ محلوبِ

وَمُرَقِّصاً منها كما انتفضتْ
نُطَفُ الحَبابِ بكأسِ شِرِّيبِ (3)

وكما تراقصت الدمى عبثاً
ما بين تصعيد وتصويب (4)

يا طاعنا أعجاس صفوتها
بمطي شديدِ الصُلبِ أُلهوب (5)

شِسْعٌ لنعلِكَ كلُّ مَوْهِبةٍ
وفداءُ " زندِك " كلُّ موهوبِ (6)

وصدى لُهاثِكَ كلُّ مُبتَكَرٍ
من كلِّ مسموعٍ ومكتوبِ

من كلِّ ما هَجَسَ الغواةُ بهِ
عن فرط تسهيدٍ وتعذيبِ (7)

* * *

يا سالبا بِجِماعِ راحتِهِ
أغنى الغنى، وأعزّ مسلوبِ

ما الشعرُ ؟ .. ما الآدابُ ؟..
ما بِدَعٌ للفكر ؟.. ما وَمَضاتُ أُسلوب ؟

شِسْعٌ لنعلِكَ كلُّ قافية
دوَّتْ بتشريق وتغريب (8)

وشدا بها السُّمَارُ مالئةً
ما يُفرِغُ النَّدمانُ من كوبِ

ومَعيلُها يجترُّ من ألمٍ
دامٍ على الأسَلاتِ مسحوب (9)

يُلغى ويُنفى شأنَ مُنتَبَذٍ
سَقَطٍ من الأغلاطِ مشطوبِ

* * *

يا سيّدَ " اللّكَماتِ " شامخةً
تهزا بمنسوبٍ، ومحسوبِ

ومربِّبَ الضَّرَباتِ، ما مَسَحَتْ
يوماً على أكتافِ مَربوبِ (10)

مجّدْ ذراعَكَ، إنّها هِبَةٌ
أغنتْكَ عن أدبٍ وتأديبِ

محبوكةُ " الأليافِ " في نَمَطٍ
عَجَبٍ، مُعَنّى فيه، مطلوبِ

وتغنَّ فيها، واسْتَجِدَّ لها
غَزَلاً، ولا تبخلْ بتشبيبِ

لله نسجُك …. أيُّ ذي عَصَبٍ
من عالَمِ القُدُراتِ مجلوب

ما كان إلا أن مددت به
سبباً لمجدٍ جدِّ مكذوبِ (11)

حتى انثنيت بخيرِ ما حَفَلَتْ
حَلَباتُ موروثٍ ومَكْسوبِ

يفدى عروقكَ كل ما حملت
أعراق داود، ويعقوب

ونثارُ عُرسِكَ كلُّ مُقْتَرِنٍ:
من خاطبٍ عِرساً، ومخطوب

ملاحظة :
لقراءة بقية القصيدة الرجاء مراجعة قسم ديوان الجواهري (قصائد السبعينات).

(1) مقطوب: مجموع.
(2) مزير: من أزارَ.
(3) نطف: جمع نطفة. والحباب بالفتح: الفقاقيع.
(4) تصعيد وتصويب: صعود وانحدار.
(5) أعجاس: جمع عجس وهو العجز.
المطيّ: جمع مطية وقد خففت الياء ضرورة.
الالهوب: السريع العدو. هذا البيت وما قبله لم ينشرا في الجريدة.
(6) شسع النعل: شراكه أي رباطه.
(7) تسهيد: في الجريدة تأريق.
(8) القافية: القصيدة.
(9) الضمير في ” معيلها ” يعود على القافية أي القصيدة.
الأسلات: جمع ” أسلة ” وهي رأس القلم الحاد.
(10) مربب الضربات: مسددها بقوة. والمربوب: المخلوق.
(11) الضمير في ” به ” يعود على النسج، والشاعر يخاطبه. إمعاناً في السخرية بقوله: انه ما أن تغزّل بمجده الصادق واطراه حتى انثنى بكل ما ضمت حلبات المجد من طارف وتليد.

المصدر : ديوان الجواهري-الجزء السابع-الجمهورية العراقية-وزارة الاعلام-دار الحرية للطباعة -بغداد 1980م

1 تعليق في “شسع لنعلك … كل موهبة .”



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.