بين الشاعر والتشكيلي ألق الصورة وومضة الابداع : حسين السكاف .

بين الشاعر والتشكيلي ألق الصورة وومضة الابداع
 حسين السكاف :
ما من شك في أن عالم الصورة وإيحاءاتها، هو العالم الأكثر اشتراكاً بين الشاعر والتشكيلي. ولقد عرفنا بعضالتجارب الشعرية التي ترجمت أعمالاً فنية لفنانين تشكيليين، وبالمقابل، عرفنا أيضاً تجارب لتشكيليين حولواقصائد شعرية إلى أعمال فنية تترجم تلك الصورة الشعرية التي احتوتها القصائد. ولكن، كيف لفنان تشكيليأن يترجم تجربة شعرية لشاعر امتد عمره قرابة القرن، وعاش تجربة شعرية تجاوز عمرها عمر الدولة العراقيةالتي ينتمي إليها؟
إنها تجربة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، ذلك العالَم المليء بالرموز والمتناقضات، المتفرد بتمردهوصخبه وإيحاءاته المستفزة دائماً. إن عالم الجواهري، عالم واسع، ذو اتجاهات متعددة بمداخله الكثيرةالمتناقضة، عالم مكتظ بأحداث وتواريخ وأسماء مؤثرة في التاريخ العربي والعالمي، ثورات وحروب وانقلابات، حكومات ملكية وجمهورية وأميرية، سياسيين وأطباء، فنانين ومثقفين. ترى في أي طبق يستطيع الفنان أنيقدم هكذا تجربة إبداعية؟
تلك الأسئلة وذاك القلق والخوف المبرر من تلك التجربة الشعرية المتفردة المستفزة لأي فنان حقيقي، كلذلك، كان يدور بخلد الفنان التشكيلي العراقي عباس الكاظم حين كُلِّفَ بتصميم وإخراج ديوان الجواهريوالإشراف عليه فنياً. وبعد عمل مضنٍ بذل خلاله الفنان الكاظم جهوداً استثنائية امتدت لأكثر من عام،ظهرت المجلدات الخمسة – ديوان الجواهري – لتشكل عملاً فنياً أنيقاً تصدر الدواوين العربية حجماً وعددصفحات.
إن خصوصية الجواهري جعلت من المبدع العراقي ذا خصوصية متميزة عن المبدع العربي، وهذه الخصوصيةفرضها عالم الجواهري الواسع، فلقد عاش قرناً كاملاً وصور القرن من خلال أشعاره، حيث كتب عن حياتهوحياة العراق والمنطقة وصورها بالتفاصيل الدقيقة، لذا يعد الجواهري أهم مصدر للفنان، فهو شاعر استثنائيبأهميته، هو المبدع السخي الذي أعطى عصارة روحه لعصره وهو المتمرد الثائر على عوالمه.
لذا، فقد ظهر ديوان الجواهري بمجلداته الخمسة مختلفاً عن أي ديوان شعري سبقه، ابتداءً من حجم الديوانالذي ظهر أكثر استطالة من الحجم المتعارف عليه في إخراج دواوين الشعر الكلاسيكية، وهذا ما يرمز إلىقامة الجواهري الفارعة وطول النخلة العراقية وطول عمود القصيدة العربية الذي صانه الجواهري بالإضافة إلىطول الفترة الزمنية التي عاشها. وفيه نجد أن غلاف الديوان " الوجه "، قد ظهر بصورة جديدة، تلفت اليهاالأنظار، حيث لم تكن هناك أية كلمة مكتوبة سوى عبارة " ديوان الجواهري " حيث لم يجد الفنان أجمل منذلك الخط الذي خط عنوان " ديوان الجواهري " عام 1953، الذي كان بريشة الخطاط العراقي الشهيرهاشم الخطاط، وكأن الفنان من خلال استخدام عبارة " ديوان الجواهري " فقط، أراد أن يوحي لنا بأن أيةكلمة أخرى تضاف إلى الغلاف ستكون أداة تعريف بالجواهري أو الإعلان عنه، مثل الاسم على سبيل المثال،فليس من المعقول أن تعمل دعاية إعلانية لنهر دجلة أو النخلة العراقية!! وكذا الأمر عينه مع قامة الجواهري.في حين أكتفى الفنان برسم ملاحم تعبيرية بخطوط وحركات عنيفة لتكون خلفية لكلمة " ديوان الجواهري "رسومات مغرقة في القدم، سومرية، بابلية، آشورية، هي في النهاية عراقية، منحها الغطاء الشفاف الذي يغلفهاقدماً ربما يمتد إلى بداية الخليقة.
تشكل الأجزاء الخمسة للديوان حين تراصها، جدارية هائلة لملحمة تاريخية، تبدأ من قلق الشاعر ولوعته عندطباعة ديوانه الأول حتى آخر بيت كتبه الشاعر في حياته. جاء ذلك من خلال منح الفنان، أهمية خاصةلتصميم ظهر المجلد ( الكعب )، حيث جاءت خمسة كعوب متساوية التصميم مع اختلاف صورة الشاعر منكعب إلى آخر، وجاءت تلك الصور حسب التسلسل الزمني لحياة الشاعر. والذي يثير الفضول عند الناظرإلى تصميم الظهر، هو ذلك التداخل بين شاخص الجواهري وكلمة " أنا العراق " الشهيرة التي ظهرت بخطالثلث، تلك الكلمة التي تضمنتها قصيدة " ذكرى المالكي " ذائعة الصيت – كما هو معروف وكما كانالجواهري يردده – وهذا ما يدل على عمق دراسة تجربة الشاعر من قبل الفنان المصمم، فلقد وضعت كلمة "أنا العراق " بلون صدئ، تماماً على أكتاف الشاعر وكأنه يحملها أو هي التي تضمه. الرسوم الداخلية للديوان التي نفذت بين الصورة والتخطيطات والجرافيك والألوان المائية، ضمت في بعضها،تخطيطات للفنان الكاظم جاءت على شكل قصاصات – مسودة – يدون عليها الشاعر رؤوس مداخلأبياته، ويظهر جلياً أن تلك التخطيطات قد نفذت على ورق أكياس العطارين بنيّة اللون، وهي دلالة اعتمدهاالفنان ليسلط الضوء على أن قصائد الجواهري كانت بمتناول الناس على اختلاف مستوياتهم وانتماءاتهم تماماًكسهولة الحصول على أكياس العطارين التي تجدها في كل مكان.
في المجلد الثاني نجد أن الفنان قد عمد الى وضع تخطيط تم تنفيذه بمادة الحبر الصيني إلى جانب قصيدة "الرصافي " يمثل سريراً عتيقاً يوحي بالحزن والوحدة " الغربة ". وفي المجلد الثالث وعند قصيدة " قفص العظام" يجد القارئ أن الفنان قد نقل دلالة السرير الذي كان بجانب قصيدة الرصافي، وقد أصبح مفككاً وحيداً فيأعلى الصفحة، غريباً في موقعه غير المألوف، ليمثل حالة الشاعر وهو يودع أمه.
في تصميمه ديوان الجواهري، قدم الفنان التشكيلي العراقي عباس الكاظم، الشاعر محمد مهدي الجواهريعلى أنه شاعر حداثي وليس شاعراً كلاسيكياً، جاء ذلك من خلال ترجمة بعض من قصائد الجواهري إلىأعمال فنية تعبيرية أو تعبيرية تجريدية، أعمال غارقة في الحداثة الفنية ملتصقة بتوائم حقيقية مع روح الأبياتالشعرية ورموزها. وهذا ما يُظهِر بالفعل، تعمق الفنان في دراسة ومعرفة خفايا تلافيف روح الشاعر، ليصلإلى حداثة شاعر أموي عباسي عاش القرن العشرين، شاعر العرب الأكبر، الجواهري.
مثلما عاش وتوفي الشاعر محمد مهدي الجواهري في المنفى، ولد واكتمل ديوانه في المنفى أيضاً، أكتمل ديوانالجواهري في بيروت، تلك المدينة التي طالما أحبها وتغزل بها، والتي كانت بمثابة الجرح الذي ظل ينبض ألماً فيروحه حتى أيامه الأخيرة، إذ كان ممنوعاً عليه دخولها منذ أن أصدرت الحكومة اللبنانية قرارها بمنعه مندخول لبنان عام 1951، على أثر قصيدة ألقاها الجواهري في تأبين عبد الحميد كرامي الذي كان مستهلها "باقٍ وأعمار الطغاة قصار "، ولكن هيهات من منع قامة إبداعية كقامة الجواهري، فلقد دخلها وإلى الأبد منخلال ديوانه الشعري الذي بات يمثل ديوان العرب.    


المصدر : المدى الثقافي للإعلام و الثقافة http://www.almadapaper.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.