أيها الأرق .

أيها الأرق …
* من جواهر الجواهري وأروع القصيد وقد قدمها الشاعر بمقدمة جميلة يحكي بها بعضاً من معاناته وربطهابقصائده.
* نظمت في براغ 1962 .
* نُشرت في ديوان خاص بعنوان "أيها الأرق" في 12/7/1971.

فرَّ ليلي من يدِ الظُلَمِ
وتخطاني ولم أنمِ

كلَّما أوغلت في حُلُمي
خِلتُني أهوي على صنمِ

يستمدّ الوحيَ من ألمي
وَيَبُثُّ الروحَ في قلمي

آه يا أحبولةَ الفكَرِ

كم هفا طيرٌ ولم يطِرِ (1)

* * *

خَفَقَتْ مِن حوليَ السُّرجُ
في الرُّبى والسُّوح تختلجُ (2)

ومشى في الظُلمةِ البَلَجُ
وقِطارٌ راح يعتلجُ (3)

بضِرامٍ صدرُه الحرِجُ
فهو في القُضبانِ ينزلجُ (4)

وكأنغامٍ على وتَرٍ

سَعلاتٌ ذُبن في السَّحرِ

* * *

مرحبا: يا أيها الأرقُ
فُرِشتْ أُنساً لكَ الحَدَقُ

لكَ من عينيَّ منطلقٌ
إذ عُيونُ الناس تنطبِق

لكَ زادٌ عنديَ القلقُ
واليراعُ النِّضوُ والورقُ (5)

ورؤىً في حانةِ القدَرِ

عُتّقتْ خمراً لمعتصرِ

* * *

مرحباً: يا أيها الأرقُ
فحمةُ الديجورِ تحترقُ (6)

والنُّجومُ الزُّهرُ تفترقُ
فيَجرَّ السابحَ الغَرِقُ

شفَّ ثوبٌ للدُّجى خَلَقُ
وخلا من لؤلؤٍ طبَقُ

ومشى صبحٌ على خَدَرِ

كغريبٍ آب من سفر

* * *

أنا عندي من الأسى جبلُ
يتمشَّى معي وينتقلُ

أنا عندي وإن خبا أملُ
جذوةٌ في الفؤادِ تشتعلُ

إنما الفكرُ، عارماً، بَطلُ
أبد الآبدينَ يقتتلُ (7)

قائدٌ مُلهمٌ بلا نَفرٍ

حُسرتْ عنه رايةُ الظَّفرِ

* * *

مرحباً: يا أيها الأرقُ
كم يدٍ أسديتَ لي كرما

أنت في عيني سنىً ألِقُ
أجتلبه بمَسْمعي نغَما

مرحباً: يا أيها القلقُ
وجدَ الضِلَّيلَ فانسجما (8)

مرحباً يا صفوةَ الزُّمرِ (9)

يا مُطيلاً فُسحةَ العُمُرِ

* * *

مرحباً: يا أيها الأرقُ
عاطِني من خمرةِ السَّهرِ (10)

إن هذا العمرَ يُخترقُ
كاختراق الثوبِ بالإبرِ

وهو بالأوهام يُسترقُ
كاستراق الغيم للمطرِ (11)

فأزِرْنيها ولا تَذرِ (12)

كم غدٍ ألوى فلم يزُرِ (13)

* * *

مرحباً: يا أيُّها السُّهُدُ
كم وكم أنجزتَ ما تعِدُ

خلِّ حُراساً لمن رقدوا
فلنفسي من نفسها رَصَدُ

مرحباً: يا جمرةً تقِدُ
بين موتى، كلُّهمْ جَمَدُ

مرحبا يا منقذ الفِكر

من نُيوب الخمول والخدرِ

* * *

مرحباً: يا أيها الأرقُ
أنا بالطارئاتِ أنتعش (14)

لي فؤادٌ بالأمن يحترقُ
وجفونٌ بالنوم تنخدشُ

أحَسِبُ النفس هَزَّها القلقُ
كنفيس الكُنوز تُنتبَشُ

أكرهُ البدرَ دهرَه نسَقُ

وأُحِبُّ النجومَ ترتعشُ


(1) هفا طير: مال إلى الطيران.
(2) تختلج: تضطرب بالناس.
(3) البلج: النور، يعتلج: يشتد، يصطرع: يلتطم.
(4) الضرام: اللهيب.
(5) اليراع: القلم، النضو: المهزول المتعب.
(6) الديجور: الظلام.
(7) عارم: شديد.
(8) الضليل: الكثير الضلال والضياع.
(9) الزمر: الأصدقاء.
(10) عاطني: ناولني، أعطني.
(11) يسترق: يسرق.
(12) الضمير في أزرنيها يعود على الخمر.
(13) ألوى: أعرض.
(14) الطارئات: الدواهي والمصائب.

المصدر : ديوان الجواهري-الجزء الخامس-الجمهورية العراقية-وزارة الاعلام-مطبعة الأديب البغدادية -بغداد 1975م

2 تعليق في “أيها الأرق .”



  1. جوهرة الجواهري

                    أثير عادل شواي

     

    كما خفير أسخليوس في "أجاميمنون" وقد هجرته الأحلام فبات وامقا على أريكة العنا، يرعى النجوم، سابحا بندى الديجور، ها هو الجواهري ينفث من لواعج روحه في "أيها الأرق"، فيوشحها دررا من ياقوت ومرجان يزان بها الزمان ويطيب به الطِـيب، ويجاد بها جيد الوجود.

     

    إنها "أيها الأرق" جوهرة الشعر العربي، ومعلقة معلقاته.

     

    مثل خفير أسخليوس الذي يظل يحدو القصيد معالجا به روحا تاه عنها بلسم الوسن، متضرعا للآلهة طورا، ومهللا تارة لأنوار يحمر لها سماك السماء ها هو الجواهري يصطحب أرقه راكبا معه سديم الليل وهو يعب من ترياق السهاد كؤوس الفكر ويترع من ساعاته ملاعق الشهد.

     

    متكئا على وسادة السهر، ومفترشا بساط  السمر، ينثر الجواهري شباك سحره، فيصطاد النجوم.

     

    أخاله بطاقيته التي أمالها قليلا إلى حيث يشتهي، واضعا سبابته على خطاطة المجرة من فوقه فيصعد نجما – كما يشاء له هواه- وينزل آخر، حتى تعود الخاطرة من لعبها مع داجية الفلك بسلال ملؤها الصور:

     

       مرحبا يا أيها الأرق        فحمة الديجور تحترقُ

    والنجوم الزهر تفترق       فيجر السابحَ الغرقُ

     

    يصير فحم الليل جمرا، ويطيش صواب النجوم؛ فتتبعثر مذعورة في الفضاء، ولكن غريقها يجر سابحها إلى قصيدة الجواهري.

     

    يمتد السهاد بامتداد الليل وتنسرح الصور بينهما منذ مستهل القصيدة:

     

    فر ليلي من دجى الظلم              وتخطاني ولم أنم

      كلما أوغلت في حلمي         خلتني أهوي على صنمي

       يستمد الوحي من ألمي           ويبث الروح في قلمي

     

    ثم تنطلق آهة الجواهري لتحرق فحمة  الديجور:      

               

         آه يا أحبلولة الفكر               كم هفا طير ولم يطر

     

    هنا يهفو الجواهري ولكنه لا  يهفو الا ليحلق، ويطول الأرق ويستمر حداء الجواهري لقصيدته بقريحة ما كان لها أن تنضب، غير أن الليل يقصر، وها هو شاعر العرب الأكبر يطالح احتضار الظلماء، مسجلا:

     

     ومشى صبح على خدر     كغريب عاد من سفر

     

    وإذ يشهد الجواهري تصرم الليل وتنفس الصبح فإنه وقد خلق من وفاء لا ينكر على الأرق أياديه:

     

    مرحبا ياصفوة الزمر   يا مطيلا فسحة العمر

     

    athiradil@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.