يا دجلة الخير.

يا دجلة الخير …
* نظمت شتاء عام 1962 وكان الشاعر يمر بأزمة نفسية حادة أثر اضطراره إلى مغادرة العراق هو وعائلته والإقامة في مغتربه في تشيكوسلوفاكيا (التشيك حالياً).
* نشر قسم منها لأول مرة في جريدة "المستقبل" يوم السبت الثاني من شباط 1963 بعنوان :
رائعة جديدة للجواهري …
يا دجلة الخير …
على يد اتحاد الأدباء …
إلى كل أديب بالعراق .
* نشرت في "بريد الغربة" و "بريد العودة".

حيّيتُ سفْحكِ عن بعدٍ، فحيّيني
يا دجلة الخير، يا أمَّ البساتينِ

حيّيْتُ سفحكِ ظمآناً ألوذُ به
لوْذَ الحمائم بين الماءِ والطينِ

يا دجلةَ الخير يا نبْعاً أفارقُهُ
على الكراهةِ بين الحين والحينِ

إنّي وردْتُ عيون الماءِ صافيةً
نبْعاً فنبْعاً، فما كانت لترويني

وأنت يا قارباً تلْوي الرياحُ بهِ
ليَّ النسائمِ أطرافَ الأفانينِ (1)

وددْتُ ذاك الشراع الرّخصَ لو كفني
يُحاكُ منه، غداة البيْنِ، يطويني (2)

يا دجلة الخير: قد هانت مطامحُنا
حتى لأَدنى طِماحٍ غيرُ مضمونِ

أتضمنين مقيلاً لي سواسيةً
بين الحشائشْ أو بين الرياحينِ (3)

خِلْواً من الهمِّ إلا همَّ خافقةٍ
بين الجوانح أعنيها وتعْنيني

تهزّني فأجاريها فتدفعُني
كالريح تُعْجلُ في دفع الطواحينِ

* * *

يا دجلة الخير: يا أطياف ساحرةٍ
يا خمر خابيةٍ في ظلّ عُرجونِ (4)

يا سكْتَةَ الموتِ، يا أطيافَ ساحرةٍ
يا خنْجَر الغدر، يا أغصان زيتونِ

يا أمّ بغدادَ، من ظَرْفٍ ومن غَنجٍ
مشى التبغْددُ حتى في الدهاقينِ (5)

يا أمّ تلك التي من "ألف ليلتها"
للآنَ يعبقُ عطرٌ في التلاحينِ

يا مُسْتجمَّ "النواسيّ" الذي لبستْ
به الحضارة ثوباً وشْيَ "هارون" (6)

الغاسلِ الهمّ في ثغرٍ وفي حَببٍ
والمُلْبسِ العقْلَ أزياءَ المجانينِ

والسّاحبِ الزقّ يأباهُ ويُكرِههُ
والمُنْفقِ اليوْمَ يُفْدَى بالثلاثينِ (7)

والرّاهنِ السّابريَّ الخزّ في قَدحٍ
والمُلهمِ الفن من لهوٍ أفانينِ (8)

والمُسْمعِ الدّهرَ والدنيا وساكنَها
قرْعَ النواقيسِ في عيد الشّعانينِ (9)

* * *

يا دجلةَ الخير: ما يُغْليكِ من حَنقٍ
يُغلي فؤادي، وما يُشجيكِ يُشجيني

ما إن تزالُ سياطُ البغْى ناقعةً
في مائكِ الطُهرِ بين الحين والحينِ

ووالغاتٌ خيولُ البغْيِ مُصبحةً
على القُرى – آمناتٍ – والدهاقينِ (10)

يا دجْلَة الخير: أدري بالذي طَفحتْ
به مجاريك من فوقٍ إلى دُونِ

أدري على أيّ قيثارٍ قد انفجرتْ
أنغامُكِ السمّرُ عن أناتِ محزونِ

أدري بأنك من ألفٍ مَضَتْ هَدراً
للآنَ تهزْينَ من حكمِ السلاطين (11)

تَهزين أنْ لم تَزَلْ في الشرق شاردةً
من النواويس أرواحُ الفراعينِ (12)

تهزين من خِصْب جنّاتٍ مُنثرةٍ
على الضفافِ ومن بُؤسِ الملايينِ

تهزيْنَ من عُتقاءٍ يوم مَلحمةٍ
أضفوْا دروعَ مًطاعيمٍ مَطاعينِ (13)

الضارعين لأقْدارٍ تحِلُّ بهمْ
كما تلوَّى ببطن الحُوتِ ذُو النونِ

يروْن سود الرزايا في حقيقتها
ويفزعون إلى حدْسٍ وتخمينِ

والخائفينَ اجتداعَ الفقرِ مالهمُ
والمُفضلينَ عليه جَدْعَ عِرْنينِ (14)

واللائذين بدعوى الصبر مَجْبنةً
مستعصمين بحبْلٍ منه موهونِ (15)

والصبرُ ما انفكّ مرداةً لمُحتربٍ
ومُستميتٍ، ومنجاةً لمِسكينِ (16)

ملاحظة :
لقراءة بقية القصيدة الرجاء مراجعة قسم ديوان الجواهري (
قصائد الستينات).


(1) الأفانين والأفنان: الأغصان.
(2) الرّخص: الناعم.
(3) المقيل : في الأصل من قال أي استراح وقت الظهيرة أو عامة النهار ، وقصد الشاعر إلى الإستراحة في كل وقت.
(4) الخابية: وعاء من الفخار يُعتّق فيه الشراب. العرجون: عذْق النخل إذا يبس واعوجّ.
(5) التبغدد: تقليد أهل بغداد ومحاكاتهم في عاداتهم وتحضّرهم. الدهاقين: جمع دهقان: رئيس المدينة أو القرية (فارسية معرّبة).
(6) النواسي: أبو نواس . هارون : هارون الرشيد.
(7) الزق: وعاء من الجلد يتخذ للماء والخمر. بالثلاثين أي بالثلاثين يوما مجموع أيام الشهر.
(8) في هذا البيت إشارة إلى قول أبي نواس من قصيدة له وقد رهن ثيابه الثمينة كلها ومن بينها خلع العباسيين عليه.
(9) عيد الشعانين: من أعياد النصارى.
(10) والغة : تشرب الدم ، مصبحة : تغير صبحاً.
(11) تهزيْن: تهزأين (بتسهيل الهمزة).
(12) النواويس: التوابيت.
(13) العتقاء : الأذلاء ظهورا بمظهر الشجعان الكرام.
(14) جدع عرنين: يقال جُدع عرنينه أي قُطع أنفه.
(15) مجبنة : جبناً ، موهون : واهن أي ضعيف.
(16) مرادة : مهلكة.

المصدر : ديوان الجواهري-الجزء الخامس-الجمهورية العراقية-وزارة الاعلام-مطبعة الأديب البغدادية -بغداد 1975م

2 تعليق في “يا دجلة الخير.”



  1. ماذا نسمي هذه القصيدة ؟!

    أمرثية كانت ام كانت قراءة مسبقة لحال العراق الان ؟!

    كم انت عظيم يا ابافرات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.