الجواهري مشروع سينمائي يحفه الجدل.

تدور الايام ومثقفو العراق أول من يضحي وآخر من يُذكر. مات أكثرهم بعيداً عن أوطانهم ومنت عليهم الدول بلجوء أو اقامة يهربون بها عن موت محتوم أما برصاصة أو بحادث سيارة يُلحق بمجهول. قبورهم شاخصة في دمشق وعمان واوربا والدار البيضاء ولا يأتيهم الغيث إلا بعد موتهم بعقدين من الزمن وبمهرجان تأبين أو نصب أو لوحة توضع على طريق ليحمل اسم هذا المثقف أو ذاك الشاعر. فما بدأت به سلطة البعث من تهجير وقتل أكملتها الحكومات اللاحقة بإهمال وتقاعس عن استرداد حقوقهم المنهوبة.

محنة الجواهري محنة بلد أو هي محنة شعب. فرجل عاصر إرهاصات الدولة وتكوينها إلى أن حكمت أميركا على شعب العراق بالحصار وجوعته لتشترك مع طاغيته بالاجهاز عليه. لقد أعد الجواهري لكي يموت ويحيا ألف مرة بأعجوبة فأخذ منها صراعها وتلكؤها فكانت حياته أدوارا تكللت بالصدام مرة وبالمسايرة مره أخرى. أي قهر تحمل هذا الشاعر والإنسان وأي ألم كابده وأي سلطة تلك التي لم ترد أن تقتص منه وهو الطريد والشريد. وكان صادقا عندما قال “أنا العراق” لأنه يرى ما لم نره وعاش ما لم يعشه غيره فولد قبل أن تولد دولة العراق وعاش حتى خراب هذه الدولة بأيدي البعث.

الجواهري الذي تجاوز عمره مائة عام لم يكن له أن يعيش عيشة الكفاف، ولم يعطه اهل السلطة استراحة ليستريح، فكان هذا الشريد الذي يقول عن نفسه وهو على قارعة الطريق عندما قرر أن يضع وجهته مطلع الشمس على جبينه ويغدو في السير ويسير عند طلوع الفجر.

الجواهري، رجل الدين والعاشق والسياسي والمعارض عن نفسه يتحدث وليس غيره: لقد كانت حافظة الجواهري هي المفاجأة لأستاذه حيث اختزل الجواهري المواد التي يتمها الطالب بسنتين وهو دراسة الاجرومية ثم كتاب القطر لابن هشام ثم الفية ابن مالك فقد اتمها الجواهري بشهرين أو ثلاثة. وهذا ليس السبب الوحيد، وربما الحرمان الذي عاناه الجواهري أيام طفولته كان له الاثر الواضح على شعره وهو الذي جعله يتمرد ويكون ذلك الثائر.

الكثير من العظماء شملهم الحظ واصبحوا بعد موتهم حبكة لمسلسل او قصة لفلم وربما حظهم لم يختلف عما كانوا عليه في حياتهم. ولكن بالنسبة للعراقيين لم يختلف عندهم الموت والحياة فالحياة غربة عن وطن والموت غربة في وطن ولا أحد يتذكرهم الا بقصيدة او ذكرى عابرة من احد الاصدقاء. الكثير من الشعراء المعاصرين الذين تلاقفت قصصهم أيدي الانتاج لما لهم من أهمية في نفوس عشاقهم وقرائهم. فلم تمض اكثر من خمس سنوات على وفاة الشاعر محمود درويش حتى ظهرت فكرة الفلم الذي يجسد حياته. وكذلك الحال بالنسبة الى الشاعر نزار قباني وكثير من الفنانين. الامر ليس مقتصر على المعاصرين بل حتى القدماء فلم تترك السينما شاعر فحلا أو معدما الا ووقفت عند بابه وطرقت قصته وكانت شخصياتهم تحاط بهالة من التعظيم. أليس الجواهري الذي ولد مع ولادة العراق الحديث وخاض كل مفاصل حياته ونشوئه أولى بأن يقدم في عمل يستحقه؟

مأساة الجواهري مأساة بلد من احتلال الى مملكة الى جمهورية الى دكتاتور. كل هذه الأدوار والسنين قد عاشها أبو فرات وتشربتها حياته. وهي الأثقل بالأحداث في تاريخ العراق دولة كان لها مجلس ودستور. كما شهدت انقلابات وصورا مفجعة ومعارك واحتلالات وثورات.

انتاج فلم عن الجواهري ليس بالمحال، وهو أبسط شيء نقوم به لنفي حق هذا المبدع. لكن المشروع محاط بمخاطر منها ان الحديث عن حياة الجواهري يتطلب الوقوف على جوانب مظلمة من حياة حكام العراق والعراقيين. وبعض الحكومات السابقة لا زالت محل خلاف بين الشعب. فكيف يكون التعامل مع أحداث هي مهمة بالنسبة لحياة الجواهري وهي أحداث جسام في تاريخ العراق فمثلا قضية كمجزرة قصر الرحاب وما حدث بها من انتهاكات ومسألة الانقلاب الاسود ومجزرة القصر وقتل العائلة المالكة وهذا ما يثير بعض التساؤلات: مع من تقف؟ مع الضحية؟ أم مع الجلاد؟ مع رواية القتلى؟ أم مع تبرير قاسم وعبد السلام عارف؟ الخلاف أيضا حول دور الزعيم قاسم في المجزرة، أم كان الامر متعلقا فقط بعبد السلام عارف؟ أمور كثير يتجنب الاعلام والسينما الاشارة اليها لأنها من الامور التي لم تحسم تاريخياً. ولأن الجواهري كان طريد قاسم مثلما كان طريد البعث، فهذه مسألة تثير الشجون وربما تسبب إحراجا لمحبي قاسم، فيصعب التوفيق بين القصة التي يرويها الجواهري عن نفسه والقصة التي يحاول الآخر أن يبرئ قاسم منها.

كثيراً ما تعتمد الدراما على التاريخ أو الحقيقة لكي تقدم لنا صورة عن شخصية أو عن مرحلة ما. فمنزلة الجواهري في الشعر العربي كمنزلة الشعر من الأدب وهو النهر الثالث. وحياة هذا الشاعر مليئة بالاحداث والتناقضات. وكان الجواهري يقول انه نجى بأعجوبة من كل الاحداث التي صاحبها القتل والقصاص.

عمل سينمائي بقدر حجم الجواهري ربما يعيد الى الدراما العراقية هيبتها ووزنها.


عقيل عبد الله الازرقي كاتب عراقي مغترب

المصدر : جريدة العالم http://www.alaalem.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.