وعي على ذكرياتي (2) : فلاح الجواهري .

الجواهري : وعي على ذكرياتي (2)
فلاح الجواهري
المدرسة
غرفة الاستقبال والجميع يجلس منصتاً باعجاب الى شاب وسيم ببدلة بيضاء  وهو يتحدث عن ايفاده الحكومي الى امريكا في بعثة دراسية،  اسمعهم ينادونه دون كلفة ب"جليل".
– والمحبوبة رزيقة،  تنتظرك اربع سنين ؟ تقولها خالتي وهي تنظر اليه بمكر وتبتسم.. خطبتها من ابوها؟
– ابوها قال: من الآن الى ان ترجع يحلها الف حلال.  قالها جليل وهو يداري خجله واحمرار وجهه.
– يعني رفض؟!.. شيخ رؤوف شديد وقاسي احيانا.
– فضيها سيرة ام نجاح، العلم وامريكا اهم،  قالها والدي ليداري ارتباك الشاب الشديد.
– تعال يا فلاح! واشار اليّ بيده مشجعاً
قالها جليل ومدّ يده في جيبه مخرجا قطعة نقود فضية ومعقباً
– هذه حق السلامة. خذها واشتري بها صباح الغد دفاتر واقلام فقد سمعت انك ستذهب الى التمهيدي.
–  ما يخالف، روح وخذ من عمك! حثتني خالتي ملاحظةً ترددي.
– بس ليش مدرسة يهود، ام نجاح ؟
– هذه احسن مدرسة في المنطقة.
لم استطع النوم  فرحا فوق سريري فوق السطح لفترة طويلة، كنت خلالها اتأمل لمعان القطعة الفضية في الظلام واقلبّها ثم احكم قبضتي عليها خوفا من ان تفلت مني ان انا اغفيت. ذهبت معي اختى الكبيرة عند الصباح لشراء كل ما احتاج من قرطاسبة، ولا باس من ان استمتع ببعض الحلوى ايضاً من هديتي الضخمة، التي لا ازال احكم قبضتي عليها دون ان أئتمن ايّ من اهل الدار على مسّها. وحين يسأل احدهم ان اريها اياه، كنت انسحب الى الوراء مبتعداً قبل ان ارفعها باصبعيّ عالياً لبرهة خاطفة قبل ان اعيد احكام قبضتي عليها من جديد.  اشترت اميرة لي من دكان المنطقة كل ما احتاج وربما لاكثر من عام دراسي.. كررتُ طلبي  بالحلوى اثناء انتقائها القرطاسية المناسبة خوفاً من ان تنسى.  واخيرا اكملت شراء اللوازم المدرسية.
– شنو من حلويات تريد؟
– حلقوم.. اي نعم من هذا عمي.. اي إي من هذا.. واثنين حلقوم(…..  )الملك!
***
غدا تفتتح المدارس وانا نشوان بالمغامرة الاولى الكبرى القريبة فكم كنت احسد بضعة من رفقة الدرب حين كانوا يعودون متراكضين زاعقين،  ببدلات مدارسهم الخاصة،  حتى وإن كانت هذه مترّبة مجعدّة او ممزوقة الجيوب احيانا،  وكانوا يلوحون بحقائبهم اواكياس متاعهم الفارغة او يتضاربون بها، جادين او مازحين. لكن يبدو ان القرار لم يرس بعد بين خالتي ووالدي،  على االمدرسة التي ارسل اليها،  وقد سمعت جزءا من الحوار:
– مدرسة يهود  لا بيها قرآن ولا ذكرفيها لديننا.. تاليها الولد يطلع إلنا يهود.. والجيران ش راح يقولون ؟..  لالاما يصير..   ؟  كان هذا صوت خالتي.
– قرآن وديانة ؟ ليش ش راح يفهم منها بهذا العمر..  يهود؟!.. والجيران! ؟ قالها ساخرا..  وش بيهم اليهود ؟،  مو أم الياس جارتج اللي تحبيها ؟.. بعدين هذه اقرب مدرسة واحسنها !
– شرط بس هذه السنة.. وهذا البيت اصلاً مرهون ويمكن راح يبيعوه وننتقل غصباً ما علينا هذي هم وحدة من نذالات " اصدقائك الاعزاء ".. الدويك،  الدويك صديقك العزيز.. الله
لا يوفقه،  ربي يهجم بيته مثل ما هجم بيتنا ! وسمعت صوت بكاء ونحيب اضاع نشوتي.
***
اغلق رجل متجهم الوجه يلبس بدلة عاتمة، البوابة الحديدية العالية ولف السلسلة الطوبلة الحديدبة حول قضبانها واحكم القفل الضخم فيها. فأحسست  بحزن لا اعرف مصدره. 
عدد لا يحصى من الاطفال في الساجة الواسعة المتربة والصخب يتعالى ويشتد وكذلك الركض و التدافع وتصاعد الاتربة… اقف وحيدا في اقصى الساحة قرب الجدار..  لااحد يقترب مني من كل هؤلاء الاطفال المنشغلبن بالعابهم واحاديثهم…  مجاميع صغيرة تتفرق من هنا لتلتم في مكان آخر..  هنالك مجموعتين تتقاذف الكرة واخرى
تلعب " حرامية جرخجية " وثالثة " سمبيلة السمبيلة ".. اعرف كل هذه اللعب ولكن لم يشركني احد منهم،  حتى عندما اقتربت بخجل من احدى تلك المجاميع ووقفت لفترة غير قصيرة بالقرب منهم،  لم يلتفت احد تجاهي..  مد احدهم  لسانه وبحلق بعينيه معاكساً… وحشتي تتزايد.
خرج رجل عجوز يلبس بدلة زرقاء كالحة،  وبدء بهز جرس كبير بيده من على عتبة مدخل بناية المدرسة.. استمر يدق الجرس..  بدء صوته يصل اليّ ويتعالى رنينه مع خفوت اصوات التلاميذ في الساحة.
خرج من بناية المدرسة الى الساحة ثلاثة رجال نحاف طوال يتبعون آخر قصير بدين متجهم،  بيده عصا رفيعة وبدء بالزعيق حالما وصل منتصف الساحة و بعصبية مخيفة
" إصطفاف.. إصطفاف.. اصطفاف " في الصف-التمهيدي-، لم تكن الحالة افضل،  بل كانت اسوء بكثير.. كنت اجلس وحيدا  وراء رحلتي  آخر الغرفة،  على حين كان الجميع يجلسون ازواجا فوق كل رحلة.  وخلال وقت طويل –لا نهاية له-،  لم ينقطع المعلم النحيف ذو العوينات الثخينة عن الزعيق والتلويح بعصاه الطويلة والدق بها على رحلات التلاميذ مهددا… لم يسمح لي للخروج للتبول.. اخذت ابكي.
في الفرصة كانت الساحة المتربة اكثر صخبا وكانت وحشتي تتزايد مع تزايد حركة الاطفال وصياحهم.
تحركت من ركني القصي في الساحة مقتربا بخشية وتوتر وحذر من البوابة الحديدية الضخمة.  نظرت يمينا وشمالا.. لا أثر للحارس..
اخذ قلبي يخفق بعنف وانا اقترب اكثر من منتصفها..
مددت يدي بحركة مفاجئة سريعة يائسة ساحبا احدى الضلفتين.  لم تنفرج إلا عن مسافة اصبعين لااكثر،  على حين اهتزت السلسلة الحديدية وقفلها الضخم مصدرين ضجيجا.. 
اهرب بعيدا عن الباب خوفا من قدوم الحارس… عدت اجرجر قدميّ الى ركني المنعزل بخيبة ومذلة وغصة تملأ حلقي. رفعت بصري بعد مدة حين استعدت بعضا من هدوئي،  ناظرا الى السياج الطويل العالي،  ومن جديد اصابني يأس خانق.. ولكن ما الذي اراه في الركن الاخر من الساحة ؟!! هناك في تلك الزاوية القصية شجرة كبيرة ترتفع عاليا وتعبر بعض فروعها سياج المدرسة.  لم تمض إلا دقائق..
انا في الجانب الاخر من السياج انهض منفضاً الاتربة عن الملابس  التي كانت جديدة،  والممزقة الآن…  كيس المتاع لا يزال متدليا من رقبتي،  أما الحقيبة الصغيرة بكراستيها الملونتين واقلامها والممسحة الخضراء ذات الرسوم ومبراة الاقلام،  فقد بقيت في الجانب المقيت الاخر.
يا لها من فرحة تندى لها العين !!..
انا طليق.. انا حر..
الدروب حلوة.. الشمس حلوة.
. انا حلو.
وجدت دربي عائدا.. 
عشرة دقائق لاغير من التسكع الحالم الجميل وها هو البيت يبان.
اخترت زقاقا قريبا وجدت فيه ثلاثة من رفقة التسكع من الصغار. 
كان اول شي لتمتين الاواصر،  هوان افتح زوّادة اكلي (العليجة ) ولننتحي عند دكّة عريضة من بيت قريب،  لنتقاسم لذائذ طعام  يوم المدرسة الاول.  في ذلك العام تعددت البيوت التي انتقلنا اليها وتعددت معها المدارس وتعددت معها اساليب مغامرة الهروب المثيرة.
***
المقصورة
.. الزرقة الكثيفة الشديدة العتمة تتسرب من خلال القضبان الغليظة وتغرقني..  اصعد الى السطح دون عناء يذكر. اضواء نمنمية تسبح في الزرقة الداكنة مشوشة الانارة.. 
في القعر فانوس صغير يتأرجح ويقترب…. الزرقة ليل،  والاضواء النمنمية نجيمات متباعدة. 
فانوس القعر نجمة الراعي، وانا افتح عينيّ بكسل.. اسمع مع حوار النقيق المتقطع همسات منغمّة.. ادفع الاغطية عني واجلس على حافة السرير مرخيا ساقّيّ ومنصتاً بامعان
.. النقيق يتواصل والهمس ينقطع..
الهمس يعود غناءاً.. حدواً..
اسرح بعيداً في متاهات ضبابية شفافةدون أخيلة واضحة المعالم..
انهض وامسح عينيّ.
أتكيء على حافة السياج الخشبي واسند ذقني الى راحة كفي..   حبر الليل الازرق يسيل ويذوب في عتمة دجلة.. 
لاحدود بين النهرالداجي وبين الستارة المنسدلة المرصّعة بالماسات الصغيرة المتلامعة وجوهرتها الكبيرة الساقطة الى القعر.
ازيز جنادب يتجاوب.
صوت مجذاف يقترب.. 
 اصوات ضربات المجذاف تمتزج بالنقيق..
اضواء ذابلة،  وانعكاسات متكسرة تتحرك فوق سطح الماء..
يعود الحادي لغنائه المهموس.
أتأمل الحادي منسرحا فوق( شازلونج) في الشرفة الشبه دائرية الممتدة داخل النهر ومسرحّاً بصره في الافق  اللا محدود للظلمة.. يتوقف الحادي عن الغناء وينصت.. النقيق يتواصل مع حوار الجنادب  وانغام ضربات المجداف..
الانغام تقترب من حافة الشرفة..
تعبر ساحة الدار المكشوفة.
.. تنساب- صاعدةً- فسحة الدور الثاني حيث اقف.
..   وجهي يَندى بنثّ قطرات ماء المجذاف.
سلالالام علىىى هضبات العرااااق
.. هضبببات العراااق
..  وشطيييه….  والجرررف..
.. رررف..  والمننحننىىى
سلام على جاعلالات..
.. النقيييق..
سلامٌ على جاعلات النقيق..
سلامٌ على جاعلات النقيققققْ.. 
النقيق..      الهوى.. الهوى..
بريدَ الهوىىى
..  جاعلات النقيقْقققِ.. بريد الهوىآآآ..
على الشاطئيييين..  بريدَ الهوى.. بريدَ الهوىآآ
سلامٌ على جاعلات النقيقِ ..    على الشاطئييييين
سلامٌ على جاعلات النقيقَ          على الشاطئينِ بريدَ الهوىىى
يستمر الحدّاء في الغناء منتقلا من صورة لأخرى وتختلط انغامه بانغام الجنادب،  ونقيق الضفادع وضربات  المجداف،  وصيحة ديك مبشر بأن " بأنْ قد مضى الليل ُ إلا إنى "..
ينهض الحدّاء فينقطع الغناء.. يتوجه الى حافة الشرفة.  يقف منصتا دون حراك ومجيلا بصره بين آن وآخر من اضواء الجسر المترائي على اليمين الى موقع الشاطيء الرملي الذي يشّف بين ستارة الليل الكثيفة وحبرالنهر الداكن، ثم يسارا حيث يتمايز شعر سعالي النخيل المشتبك، كتلة مكثفة من ظلمة الليل.
.. اسمع انغام الحادي تتعالى برفق من جديد..
على الجسر ما انفكَ من جانبيييه..
على الجسر ما انفكَ من جانبيه..
                         ..  على الشاطئيييين..
على الجسرِ ما انفكَ من جانبيه
                                           أأأأأأأأ الهوى ى آآ
       يتيح الهوى..
.. الهوىآآآ
يتيحُ الهوى..
                    من عيونِ المهآآآ              
على الجسرِ ما انفكَ من جانبيهْ
                    يتيحُِ الهوىىى..
                                       من عيونِِ المهااااِ
علىا النخلْ
           على النخلِ
                ذي السعفات الطوالْ
ويستمر الغناء واستمر في السرحان في الظلمة  وفي متابعة الحادي الذي يخترق الظلمة بقامته الفارهة والذي يٌنظِّم بايقاعاته سمفونية الفجر المقترب.
ايه  دنيا !!
يلقي الحدّاء نظرة اخيرة سريعة من الشرفة على( بانوراما) دجلة الليل، ويستدير ويخطو،  ويبدو أن تأملاته لم تنقطع تماماً و هويرتقي السلالم،  دون أن ينتبه الى موضع اطلالتي عليه من متكئي على سياج ممر الدور العلوي،  ولا في انني كنت اتابعه في حدوه وتغنيه بالابيات المنظومة.
– انت هنا ؟ يسأل مبتسماً وفي دهشة..  منذ متى وانت هنا ؟..  ما الذي صحّاك في مثل هذه الساعة والفجر لم يَبن بعد ؟
انه يعرف انها لم تكن المرة الاولى لمثل هذه الاطلالة والمتابعة،  ولا في انني ساذهب وارتدي ملابسي على عجل، لاسبقه  الى الممر قرب باب الدارلمرافقته.. او الاصح اللحاق به في خروجه اليومي عند الفجر.
لقد فات وقت محاولة الاقناع،  بثنيّ، لامنعي،  عن هذا الامر،  والعودة الى سريري، فقد مر على ذلك زمن،  وكاد ان يصبح لحاقي به، عادة يومية اثناء العطل المدرسية.  بل لقد اصبحتْ وربما ومن المرة الاولى مرافقةً،  تقابل بالجذل،..  وإن لم يخلو من استغراب مصحوب بحنان،  يحاول جاهدا ان لا يكون معلناً تماماً. 
 
خطواته واسعة،  لم احاول ان اجاريها.  لا ولم احاول ان يكون موقعي،  في  شبه هرولتي،  مجاورا له في سيره..  إلا ما ندر،  حين ياخذني  إما فضول،  او رغبة في ان اشعره،  انني لا ازال موجودا،  وأن لا حاجة به الى الالتفات الى الخلف للاطمئنان، انني لست بعيدا عنه كل البعد..   حينها ارفع راسي،  وانا لا ازال مواصلا خطوي السريع،  واتمعن في وجهه. 
 فأما اجده مبحرا في عالم بعيد المتاهات او  منشغلا في دمدمة حداءه المنغم الخافت.
الظلام لا يزال سائدا،  إلا ان اضواء المصابيح اليسيرة المتباعدة،  تلقي ظلالها الشبحية على الشارع اكثر مما تنيره،  فتبعث فيه الكثير من الغموض،  واجواء من الخرافات والاساطير.. 
هذه الازقة الجانبية الغارقة في العتمة..  كم فيها الآن من الطناطل والسعالي،  تلك التي تناقلنا حكاياها انا وصحابي في الليالي،  ونحن نجلس عل عتبة دار احدنا..
كم فيها من ارواح هائمة.. خصوصا في تلك الازقة الضيقة المؤدية الى ارصفة دجلة وشرائعها..، هناك حيث الغرقى يخرجون من اعماق دجلة،  ملتفين بألاعشاب،  وملطخين بكتل غريّن القاع اللزج الكثيف،  وبعين واحدة محدّقة،  وتقحور الاخرى التي اكلتها الاسماك..
حين اصل الى مشهد الغريق الهائم،  يتصاعد الوجيب في صدري وتصخب به اذناي..  اسرع اكثر مقترباً من  ساقّي والدي.
.. انظر من جديد الى الزقاق،  فاما ان بكون شبح الغريق قد هرب واختفى،  او انه يبدء الآن في   الاستدارة عائداالى مكانه من ظلامات النهر القريب. ها هي اضوية الجسر الجديد تتلألأ.. لقد انتصر النور اخيراً !
عند مدخل رصيف الجسر يستدير والدي نحوي،  فافهم الرسالة المعتادة.. اقترب على عجل فيمسك بيدي ويبتسم ونواصل السير سوية،  جنبا الى جنب  ويدا بيد. ثم عند الربع الاول من الجسر يترك كفي ويبطأ سيره.. نواصل العبور شبه متلاصقين.. حين نصل نهايته،  يمسك بكفي من جديد  لنستدير داخلين سوق السراي.
..  يبدء بعض باعة الكتب فيه بفتح ابواب دكاكينهم،  فتصبح بقع اضويتها كافية لانارة اجزاء من السوق.
..   حينها يترك كفي من جديد،  وكل منا يعود الى مساره وعوالمه..
– صباح الخير استاذ، يرفع احد الباعة صوته.
– صباح الخير والسلامة ابني
– صبحكم الله بالخير ابو فرات،  تنطلق التحية من دكان ثان.
– صبحكم الله بالخير حجي،  يجيب الوالد رافعاً يده بالتحية وهو يواصل سيره
– أبوفرات.. كبة تلوك لهل الحلك الذهب،  خلي استفتح بيك رزقي اليوم !
– تشكرْ ابو بهية.. صارْ..  لِفْ اثنين ودزهنْ للجريدة.. تفضل !
– خليها علي ابوفرات.. الله يزيدك. بس هاي هواية !
–  لُطفكْ أَزيَدْ..  هذا إِستفتاحْ ابو بهية وانشالله بيه البركة.
ننعطف على شارع المكتبات وتستمر تصابحات الخير،..  وتتزايد حين نستدير على شارع الرشيد،  مقتربين من مقهى"حسن عجمي". يدخل المقهى دون أن يلتفت صوبي ويلقي التحايا،  ويتوجه الى ركنه المعهود قرب الزاوية اليمنى. اقف عند المدخل الواسع ماسحاًً ببصري تفاصيل المقهى…. على اليسار من المدخل،  تصطف اباريق الشاي المختلفة الحجوم على رفوف متدرجة،  الوانها زاهية ونقوشها في الغالب اوراد متباينة الاحجام،  واغصان مورقة،  واشكال نجمية ودائرية متداخلة.. على يمبن الاباريق،  هنالك سماور نحاسي ضخم يضيء بلمعانه،  وآخر مماثل تماما له على اليسار… تصطف امامهما  ومن الجانبين سماورات اصغر،  تتدرج في ارتفاعها. في ارجاء المقهى تنتشر تخوت من خشب عاتم، بصفوف متقابلة،  عدا تلك التي تستند على جدران المقهى الثلاثة.. يغطي سطوح التخوت وظهورها سجاد ايراني. 
ارضية المقهى مرصوفة بالطابوق الفرشي النظيف والمندّى دائما.  أما انارته فهي مما يسمح بالهدوءوالتأمل، وقراءة الجرائد بالطبع، وهي تأتي من فوانيس كهربائية نحاسية مزخرفة تتدلى من اماكن عديدة من السقف.
يجلس "حسن عجمي" بجسمه الضخم الممتليء وراء طاولة فوقها صوان ٍ نحاسية مختلفة الأحجام،  يضع فيها الخارجون حساباتهم من القطع المعدنية..  وجهه وادع بشوش على الدوام..
يستقبل حسن عجمي رواده بالتحايا ويودعهم، وهو جالس وراء طاولته،  بالسلامة او بمعية الله..  يقوم احيانا لنجدة " الجايجي " العجوز،  والمنشغل دائما في ملءِ اباريق الشاي بالماء المغلي من احد السماورين الضخمين،  او بدلق الشاي من ابريق لآخر،  او بغسل اقداح الشاي الصغيرة ( الاستكانات ) وصحونها،  وبالطبع،   في ملئها وفق طلبات الزبائن،  والتي ينادي مساعده ( صانع المقهى ) بها بصوت عالي منغّم. (صانع المقهى )هوالذي يقوم بإيصال الطلبات الى رواد المقهى..  اما الماء فيدور به ساق ٍ خاص يدور باستمرار بين التخوت حاملا دورق الماء في يمينه ومنغّماً  رنات الاقداح العديدة، التي يحملها بيساره. 
هذه التفاصيل في المقهى،  والتي احبها اكثر من اي مكان ارتاده مع والدي , ليست هي التي تثيرني.. الفرحة المشرقة دائما هي في ببغاوات حسن عجمي الثلاث بالوانها الصاخبة،  ولغوها المدمدم ذو النبرة  الجادة..  انها تصدر اوامراً.. تلقي حكماً ومواعض…. اياً هي  المفردات التي ترددها،  فأنها  كانت دائماً تدمدم بها على عجل شديد.
اخطو بحذر وببعض الخجل من الحاج حسن..
.. يبتسم مشجعاً.. هويعلم كل العلم انني اقترب لا منه،  ولكن من ببغواته الثلاث.
ها هي الكبيرةمنها، و التي يغلب اللون الاصفر على بقية الوانها، تفلح ودون جهد،  من تسلّق ذراعه الايسر وتقف شامخةفوق كتفه..
.. " سلامُ عليكم.. سلامُ عليكم " تدمدم العابثة الصفراء،  عاقفة رأسها المتوّج الممدود تجاه الجانب الايسر للحاج حسن.. تلوي رأسها اكثر لتظهر تساؤلها الواضح وانتظارها الملّح بعينها المدورة البراقة، و التياصبحت  تواجه عين الحاج اليسرى.
.. يرفع الحاج حسن يده اليسرى بهدوء ودون اكتراث ظاهر،  مقدماً حبة يقطين بيضاء كبيرة.. تلتقطها الببغاء اللعوب بهدوء ودون عجلة وتبدء في تكريزها،  غير ناسية ان تلقي بالقشور المنزوعة،  ومن موضعها ذاك،  الى( الصينية) الموضوعة على المنضدة تحتها.
.. تتناول الببغاء الضاربة الى خضرة عشبية براقة  باناقة،  حبة من بضعة حبوب منثورة فوق المنضدة دون ان تلقي بالا ً،  لا الى الحاج ولا غيره.
الثالثة منشغلة بحل معضلة كبيرة وهي تروح وتجيء بكبرياء ملكية وقورة فوق المنضدة،  مطرقة برأسها ونافشة ريش عنقها.
.. يناولني الحاج بضعة حبات بيض سمان..
.. اقترب من الصفراء اللعوب المنتصبة فوق الكتف الايسر
.. تعقف رأسها و تدير لي عينها المدوّرة اليسرى متفحصة متسائلة
.. تلمح الحبة البيضاء بين اصبعيّ :
.. " سلام ُعليكم.. سلامُ عليكم ".
اجلس على التخت بهدوء الى جوار والدي المنشغل بقراءة احدى الصحف.. بعد حين ينتبه الى وجودي:   
– شَرَبتْ شيْ ؟
.. اهز رأسي بالنفي.
– ابو محمد ! من فضلك !.. يخاطب ساقي الماء.
.. فد كَلاصْ شربت زبييب وصمونة بيها قيمر من ابو شربت الزبيب اللي يمكم،  لحضرة الافندي !!.. يشير اليّ مبتسماً.
يمر بائع الجرائد  الصباحية،  والتي توزع الى الباعة المتجولين عند الفجر، ويعرضها على يديه،  بشكل تظهر اسمائها وعناوينها واضحة للجالسين على تخوت المقهى
.. يشتري البعض يضعة اعداد.  الأ كثرية ممن يقلب في صفحات الجرائد من رواد المقهى هم من زبائن شخص آخر، وهومن يؤجر قراءة الصحف.  .. يدور عليهم مسرعا،  معيراً اياهم الصحيفة المطلوبة،  ورافعا الجريدة التي انهى الزبون قرائتها والتي يضعها جنبه على التخت،  ثم يعيرها مؤجر الصحف الى زبون ثان ٍ لم يطالعها بعد.
" كبه يا الله.. كبة ياالله، "  تدمدم على عجل الببغاء الصفراء…" كبة يا الله.. كبة يا الله " تكررها ذات اللون الاخضر،…. ويستمر سجال المناداة المنغم،  حتى يتناهى من على رصيف الشارع،  الذي يطل عليه المقهى، صوت جهوري مبحوح:" كبة يا الله.. كبة يا الله ".. يظهر رجل ضخم متقدم في العمر يحمل (طنجرة) كبيرة فوق راسه المعتمر بمخدة دائرية،  يستقر فوقها القدر. 
" كبة يا الله.. كبة يا الله "،  يكرر الرجل النداء. 
يقف مستديرا بحذر ومواجهاً المقهى وروادها  ويكرر ندائه:
 " كبة يا الله.. كبة يا الله ".
***
نعبر شارع الرشيد شبه الخالي من السيارات وعربات الخيل.. نمر ببضعة محال كانت قد فتحت ابوابها.. نتعدى جامع "الحيدرخانة"، لنصل بعده بقليل الى سلالم تنحدر الى زقاق ضيق،  تمتد على جانبيه دورمتراصة، ذات ابواب ضخمة قديمة خشبية، بنقوش بارزة ومطارق نحاسية كبيرة. بعد اجتياز بضعة بيوت، تبان قطعة خشبية علقت فوق باب مفتوح بضلفتين.. القطعة،  مؤطرة بإطار متواضع، كتب عليها بخط جميل، "جريدة الرأي العام" وتحت هذا العنوان وبخط اصغر "جربدة يومية سياسية "… دخل الوالد،  وبخطى واسعة اجتاز الممر الصغير ونصف الساحة المكشوفة، ناهباً درجات السلم الى الدورالثاني. .. لم ينتظر جواب تحيته الصباحبة لعمال الطباعة في الدور الاول،  وربما لم تصل الى مسامعه وهويقطع المسافة الى غرفة تتوسط الجانب الايمن من الدور الثاني  وتشرف، عبر نوافذها العديدة الطويلة  ذات القضبان الحديدية،  على الدار كله بطابقيه.
في اقصى زاوية من الغرفة،  يجلس شاب نحيف قصير وراء منضدة صغيرة،  واضعا اذنه لصق مذياع صغير،  ومدونا غلى عجل ما يتنصت اليه.. يهبّ الشاب عند دخول والدي.
– اهلاً استاذ..  صباح الخير،   يسبق الشاب الوالد بتحيته.
– صباح الخير،..  ها سليم ؟! التقطت شي مهم من الصبح ؟ يقول والدي ذلك، دون ان يلتفت تجاه سليم،  منشغلا بخلع سترته على عجل وتعليقها على ظهر كرسيه.
يجلس وراء طاولة غير كبيرة،  مزحومة بالصحف الصباحية،  وقصاصات اوراق مطبوعة،  واجندة صغيرة،  واوراق مكتوبة بخط  مختلف. 
***
 "جون" و "وني"
كان الظلام قد حل حينما ترجلت من قطار الضواحي. الرصيف كان خاليا وكانت هناك ريح باردة ندية ترش وجهي برذاذ بارد فاحكمت معطفي وانا اغادر المحطة مستديرا الى اليمين.  وبعد ان عبرت بضعة بيوت بدأت بالتمعن في اللوحات الصغيرة المثبتة قرب حواشي الابواب..  52.. 50.. 48.  ربما كان52. وعد ت من جديد اتمعن في شكل الابواب والنوافذ.  لقد مضى قرابة العام، والبيوت  و الابواب تتشابه وما الفرق بين 50 و5 او 52،  كلها ارقام.. كم من الارقام علينا ان نتذكر،  ارقام الباصات،  والبيوت،  والتلفونات،  واعمار الناس، والنقود التي نصرف ونستدين،  وجداول الضرب والجذور التربيعية.. ليس هو 46،  وهو ليس بهذا البعد عن نهاية جسرالقطار..  52 فلنجرب،  فالنور مضاء في الصالة،  وهذا هو الوقت الذي يجلس فيه" جون" على كرسيه الهزاز للقراءة،  وتنشغل فيه" وني" بالحياكة على الكنبة القصية وفي الطرف الآخر من جون.
امسكت باقة الورد بيدي اليسرى ونفضت بعضاً من الرذاذ العالق عل المعطف قبل ان ادق جرس الباب. اضيء نور الممر وفتحت الباب عن  وني،  بشعر معقص منسرح،  و برداء بيت وردي انيق.. شيئ ما قد تغير.
– مفاحئة.. اليس كذلك ؟!
– فلاح !!.. فلاح، حقا انها مفاجئة سارة.
عبرت عتبة الباب وقبل ان امد يدي مصافحا وجدتها تعانقني بترحاب ومودّة..
هبّ شذى عطرشرقي.. وجدتني انسى التجفظ المزمع في لقائها،  واجيب بعناق ودود دافيء.
– هل حقيبة السفر تلك عائدة لك ؟ اجبت بابتسامة،  وعد ت خطوة الى الوراء لادخل الحقيبة المنسية الى الداخل.
نهض جون من كرسيه بفرح واضح،  مصحوب ببعض الدهشة، تاركا جريد ته تسقط على الارض وتقدم الى مدخل الصالة حيث اقف وتعانقنا بحرارة.. وقفنا نتأمل بعضنا فترة.. شىء ما قد تغير !!.. " وني "..  هنالك نضارة وحيوبة جديدة ملحوظة.. " جون"  يبدو متعبا واكبر سنا.
– انت قادم لقضاء اجازة قصيرة معنا؟،  سأ ل جون بفرح،  حين انتبه الى الحقيبة المتروكة في الممر.
– أنا عائد الى وطني
– تعني فيي اجازة ؟
– كلا
– For good
– ودراستك هنا؟
– هناك،  سابدء كل شيء من جديد.. كفاني ضياعاً.
– يبدو انها قصة طويلة.. هل تعشيت ؟ بامكان وني ان تحضر شيئا سريعا ودافئا.
– كلا، شكرا لقد تعشيت.  أنا جئتكم مودعا فقطاري الذاهب الي نيوهافن سيغادر في التاسعة. ضاع جون في لحظة ذهول وانتفض وكانه يصحو من غفوة عابرة.
– يبدو ان الموضوع جدي ! سنتحدث فيه مع كوب دافيء من الشاي تعده لنا وني.
هبت وني من مقعدها بعدما كانت تتابع الحوار القصير بدهشة وصمت.
– يبدو انك جاد فيما سمعته،  ستذهب وتنسانا دون شك.. ساذهب لاعداد الشاي.
صبت لي وني كوبا من الشاي و قدمت احدى فطائرها الساخنة
– هل ستعود الى دراستك الطبية في بغداد..  انتهت اذا مشاريع المعمار والفن وكلية همارسمث الفنية؟
– لن اعود الى بغداد في الوقت الحالي،  فوالدي في سوريا كلاجيء سياسي بعد ان غادر العراق، لاعناالنظام والسلطة و(حلف بغداد) في قصيدة ملتهبة في مهرجان شعبي ضخم في دمشق.. حسب علمي ليست هنالك كلية للهندسةالمعمارية في دمشق ولا اكاديمية فنون.. لا شيء غير العودة الى دراسة الطب هناك.
– هل تعتقد ان الجو مناسب للعودة الآن في هذا الجو المحتقن الخطر في المنطقة،  بعد ان قام هذا الهتلر المجنون بتأميم قناة السويس ؟. قا ل جون عبارته الاخيرة باستياء ظاهر.
– ربما كان حسم قراريعودتي قد تم،  لأن الجو محتقن كما تقول،  ولأن احداثا هامة كتأميم القناة – التي ذكرت – تحدث في بلادي،  و هي التي حقزتني اكثر،  كي لا اكون بعيدا عن المعركة.
– اذا انت تقر بأنها معركة تلك التي اعلنها ناصر علينا.
– نعم،  ولكنها معركة لاسترداد حقوق مغتصبة.. معركة عادلة ومشرفة !!
– ولكن القناة قناتنا والشركة ملكنا.. جهدنا وبنائنا.  قالها جون بغضب وقد علا صوته. 
– القناة فوق ارض مصرية،  وحفرت بأيدي مصرية وبجهد عمالها اللذين مات منهم عشرات الآلاف، ضحية السخرة والسياط التي الهبت اجسادهم.
– انكم قوم جاحدون متخلفون تنكرون دورنا في تحضيركم.. نهض عن كرسييه وقد احتقن وجهه واردف
-.. نعم جاحدون وليس غريبا انكم ستستولون على شركات نفطنا !!
– نفطنا؟!.. نفطنا؟!..  هذا وكنت تقول انك اشتراكي !!..  هل العراق ارضكم ؟!.. وما في هذه الارض من بترول هو بترولكم؟! 
نهضت بغضب ورميت منديل الطعام على المائدة، واكملتكلامي وانا اتجه لمغادرةالصالة:
– نعم سنفعل ذلك قريبا،  سنامم النفط..  وسنكسر كل يد تحاول منعنا من ذلك.
قبل ان أصل الى مدخل غرفة الاستقبال،  كانت وني،  واقفة تحول بيني و بين المدخل بوضع يمنعني من التقدم،  طوقتْ عنقي بذراعيها..  قبلتْ خدي،  ثم استدارت بغضب عارم تجاه جون
– لاشك انك جننت يا جون،  لقد اتاك مودّعا قبل عودته الى الوطن. !
قادتني برفق الى كنبة قريبة..
جلست مطرقا بكآبة شديدة.  لم تمض الا لحظة قصيرة  حتى سمعت دمدمة جون تقترب مني.. التقطت منها ما ادركت انه اعتذارا.
رفعت رأسي ببطء لاجد جون واقفا بارتباك ظاهر ووجهه المتغضن قد توهّج بالاحتقان..  مدّ ذراعه تجاهي:
– هل تقبل اعتذاري.. اني جد آسف،  قال ذلك بصوت مرتجف غلب عليه الانفعال.
نهضت واحتضنته بحرارة دون ان انطق.
– يبدو ان ضجيج الصحافة والاذاعة والتلفزيون حول التأميم قد بثت الهستيريا في كل مكان،  ووصلت الى بيتي.
قال ذلك وهو يختار الكنبة المجاورة لي لجلوسه..
كان هادئا وحزينا وبعد صمت ثقيل لم يطل، نهض فاركا كفيه بنشاط ومرح:
– هيا يا وني،  حضري من فطائرك تلك التي يحبها فلاح،  فيبدو ان طريق عودته طويل،  ولا تنسي ان تججفي معطفه وتضعي فيه وشاحا صوفيا يقيه رياح عبور المانش.   ثم مستديرا نحوي:
– اطلعني على تفاصيل مسار عودتك.. وهل أن كل شيء قد اتممت ترتيبه،  أم ان الطريق مغامرة من مغامراتك،  وكل مفاجئات المجهول العارضة فيه،  تحل في حينه ؟
***
كانت الساعة قد قاربت التاسعة،  حين فتح باب سيارته الصغيرة السوداء لاجلس الى جواره.
اوقف السيارة قرب محطة فكتوريا..  لم ينزل مباشرة وبالطبع لم اتحرك انا بدوري،  فلا يزال هناك متسع من الوقت.
– هل تذكر آخر مرة خرجنا معا بهذه السيارة.. لقد كان الوقت ليلا ايضا.  قال ذلك بسهوم وبصره يخترق الواجهة الزجاجية للسيارة امامه  ويخترق الضباب العاتم الكثيف،  وكانه يحاول جاهدا ان يخترق الغيب :
– بالطبع لم تنس ما بحت لك به..  ولم تنس مخاوفي التي صارحتك بها.
 وبعد لحظة صمت متوترة،..  لقد كنت محقا ياصد يقي.  لقد افلت المارد من قمقمه
.. لقد تغيرت وني،  ويبدو انني قريبا  سأُرمى وحيدا في العالم المخيف.  ثم مبدلا نبرة حديثه،  ماعلينا،  لن احملك متاعا ثقيلا في سفرك.  أخرجَ امتعتي من صندوق السيارة الخلفي،  ورافقني الى عربة القطار المتجه الى نيوهافن، وقبل أن اصعد الى العربة،  تناول المعطف المعلق على ذراعي والبسني اياه بعد ان أحكم وشاحه الصوفي على عنقي:
– حاذر من الرياح الباردة عند عبورك المانش!! لم يغادر رصيف المحطة حتى طواه الضباب المتكاثف.
***
سكنت مع جون و وني فترة عدة اسابيع بعد ان طلبت منهم صديقتهم وجارتهم السيدة ستيفنسون،  وبرجاء حاران ياخذوني لديهم كطالب مقيم، وبنفس المبلغ الذي كنت ادفعه للسيدة ستيفنسون،  لقاء كل تكاليف السكن والرعاية، ريثماينتهي البناءون من الترميم الكامل لدارها  حيث كنت اقيم. 
اعتذر الاثنان جون و وني عن ذلك،  لأن ذلك سيغير طبيعة حياتهما،  البالغة الاستقرار والعزلة "طيران وادعان فوق دوح متفرد"  وفق ما كانت تصفهما السيدة ستيفنسون. 
 كان لالحاح تلك الجارة العجوز الطيبة،  وصديقة العمرالتي لا تعوض،  اثره في عودتهم عن ممانعتهم القطعية وقبول بقائي معهم فترة الترميم التي تمتد اسابيع قليلة لاغير. 
بعد تحفظ وتعامل حذر مهذب مع الطاريء الجديد،  والذي لم يدم طويلا،  بدأت الامور تتغير في البيت، فالسكون الذي كان يلف مائدة العشاء والذي كان يقطعه صوت الملاعق او ابدال الصحون،  اخذت تدخل عليه عبارات مجاملة واستفسار عن سير الدراسة،  او عن المواصلات التي توصلني الى كليتي،  وعن الصعوبات التي قد اجابها في اللغة والمجتمع الجديدين علي.  وتطورت لتنتقل الى حياتي السابقة في بلدي وعن مشاريعي المستقبلية،  واخذنا نتبادل ابتسامات فيها دفء ومودة،  وبدء الاهتمام يتزايد بكل ما يتعلق براحتي في سكني ومأكلي وحتى ملبسى،  الذي اصبح محط اهتمام وني قبل مغادرتي الى دراستي كل صباح.
لم يمض اكثر من اسبوعين إلا وكانت العلاقة بجون تتطور من الحديث الهاديء الذي يدور بيننا بعد عودته من عمله في يانصيب كرة القدم :
 )، الى دور في لعبة الشطرنج،   او الى اسماعي صوته المسجل على اسطوانة،  والت كان دفعPools(   ثمن تسجيلها لغنائه،  ليستمع البها وقت راحته،  او ليُسمع زائرا اوصديقا يأمن تماما الا يقول فيه غير اطراء معقول،  حتى مع علم جون،   بان ذلك لايتعدى المجاملة التي تقتضيها حسن الضيافة.
أما وني،  فاخذت ابتسامها لا تغيب عن وجهها حين نتقابل صدفة في الممر او عندما ترفع راسها من لوح تطريزها بين آن واخر في غرفة الجلوس بعد العشاء،  وكانت بين الحين والاخر تشترك معي وجون في الحديث الذي غالبا ما يتناول سيرة جون السابقة ومواقفه المتعاطفة مع الشعوب المقهورة، او ايمانه التام بالاشتراكية الفابية،  ودورها الاكيد في حل مشاكل البشرية جمعاء. 
***
انتهت الترميمات في دار السيدة ستيفنسن وآن اوان عودتي اليها،  وكنت احس ان هذا الامر،  بدء يؤسف جون و وني و بدءا يسائلاني،  وان بشكل غير مباشر،   هل هنالك إلزام في قضية عودتي الى سكني السابق؟،  وانهما في حالة رغبتي للاستمرار في البقاء معهما،  فليس من الصعب الاتفاق مع السيدة ستيفنسن حول ذلك،  وان مسألة ما سادفع اسبوعيا ليس بقضية ذي بال.
لقد احببتهما حقا.  وكانت علاقتي بجون اكثر عمقا مما هي مع زوجته.  ورغم انه كان يأخذ مكانة الاب في الارشادوفق تجاربه،  الا انه في الوقت ذاته قد اذاب جليد فارق العمرلنتعامل – في معظم الاحيان – كاصدقاء خلص.
لم يمض طويل من الوقت على مغادرتي اياهم،  حتى كان جون يطرق علينا الباب في احد الاماسي،  واثناء تناوله الشاي معي ومع السيدة و والدتها التي تجاوزت الثمانين،  والتي كانت ترقص لي ال " كان كان "،  كلما عقصت حاجبيّ ونكّست رأسي،  في احدى كآباتي المتكررة. عرض جون شكواه علينا،  ولم تكن هذه الشكوى إلا من الوحشة والفراغ  الذي يعانيانه،  هو و وني بمغادرتي لهما. وكان الحل المقترح والذي اتى اساسا جون من اجله،  ايجاد احد الطلبة ممن يبحثون عن اقامة مع احدى العوائل الانكليزية.
أخذت الامر على عاتقي.  ولم اترك ايا من الاصدقاء إلا وابلغته عن  مرشح،  خلوق وامين،  لمثل هذا المكان والعائلة الطيبة التي تملكه.
لم يمض اكثر من اسبوعين،  إلا وكان ثابت،  وهو ابن عائلة بغدادية موسرة،  والقادم الى لندن للدراسة على حسابه الخاص،  يحظى بنفس تلك الرعاية التي حظيت بها في بيت جون و وني،  إن لم يكن اكثر.
من خلال زياراتي لهما اول الامر،  ثم زياراتي الخاصة له لاحقا،  ربطتني به صداقة،  ذات حدود حذرة،  فضلت ولسبب لا ادركه،  غير احسا س  داخلي مبهم،  عدم اختراق تلك الحدود لصداقة اكثر دفئا وعمقا. وكان قبولي في سندرلاند لمرحلتي الدراسية التالية سببا في ان اغيب عن زيارة جون و وني فترات طويلة،  اقابل بعدها بترحاب شديد كلما اتيحت لي الفرصة  لزيارتهم،  اثناء نزولي بضعة ايام الى لندن لانجاز عمل اومهمة. وكنت اجدهما على وضعهما القنوع الآمن،  ولم يتركني جون مرة واحدة دون ان يوصلني بسيارته القديمة السوداء اما الى حيث اقيم موقتا،  او الى محطة قطارات الشمال التي اغادر منها عائدا. مرت عدة اشهر بعد آخر زيارة لجون. كان الوقت متاخرا وكنت مترددا في ان اطرق الباب،  غير ان موعد عودتي في منتصف تلك الليلة سوف لن يتح لي فرصة اخرى للزيارة. استقبلني جون على غير ما عهدت..  ترحاب من وراء وجه متعب كئيب.  تبعته الى الصالة.
– ساذهب لاعد الشاي،  فقد خرجت وني لزيارة بعض الاصدقاء ولن تعود الا في وقت متاخر.
– لا ضرورة للشاي يا جون،  فقد تناولته قبل اقل من ساعة عند احد الاصدقاء،  ثم ان قطاري سيغادر بعد ثلاث ساعات.
– اذا،  هل لديك اي مانع في ان نخرج بسيارتي في جولة قصيرة اوصلك بعدها الى المحطة.. أحس اني مختنق وبحاجة الى شيء من الهواء النقي.
كان المكان الذي ركن فيه جون سيارته عند احد المتنزهات اللندنية الواسعة والتي تكاد تقفر في ليالي الخريف والشتاء. اطفأ جون انوار السيارة تماما،  وعمت ظلمة بدأت سرعان ما بدأت تتلاشى حواشيها من  الاضاءة الخافتة القريبة في المتنزه. وضع جون يداه على المقود متكئا،  وسّرح بصره في ضباب الظلمة.. طالت فترة صمته، ووجدتني اخشى واحذرمن خدش  ذلك الصمت،  حتى ولو بحركة تململ يسيط.
– هل تدري يا فلاح ان حياتي قد تقوضت تماما !! قالها جون بصوت مرتجف وهو لايزال يحد ق في المجاهل الضبابية امامه، وكانه يحدث شخصا آخر غيري.
طال صمته ولم اجد غير الانتظار لما يلي ذلك.
– قبل مجيئك كانت حياتنا انا و وني رتيبة نمطية،  وقنوعة في الوقت ذاته،  لكنها لم تكن تخلو بالطبع من،  متع هادئة ومودةبيننا وانسجام. 
– تزوجنا قيل اكثر من عشرين سنة،  عن حب وتفاهم،  ولم يكن هنالك فارق سن كبيرفقد كنت في التاسعة والعشرين وهي في الحادية والعشرين،  وحين يأسنا من الانجاب،  ولم اكن انأ السبب في ذلك،  من الناحية الطبية،  تأقلمتْ وني بعد وقت،  لم يخلو من معاناة وصبر وكآبة،  مع الواقع الجديد.. رتبنا حياتنا وفقا لذلك وكنا سعداء على طريقتنا..  بل وهكذا كان الاخرون يروننا ايضا. اما علاقتنا الجسدية فقد توقفت،  ولنقل انتهت منذ خمسة سنين،  وتاقلمنا دون اي اشكال مع هذا ايضا.
 جئت انت وبدأت اشياء تتبدل في حياتنا. عزونا ذلك في البدء الى كسر الروتين الذي كنا قد فرضناه على انفسنا لفترة طويلة،  ثم اخذت ادرك مع الوقت وبسرعة،  ان السبب في الحقيقة،  يعود الى توقنا الطويل المكبوت الى إبن لم يسعدنا الله به لم ابح بما توصلت اليه لوني، كي لا اثير شجونها،  ولكني واثق من انها سبقتني في مثل هذا الادراك ولم تصارحني، كي لا تثير شجوني.. هل تتابعني يا صديقي، كم تمنيت ان اقول يا ولدي،  قال ذلك وهو يلتفت تجاهي لاول مرة منذ يدء حديثه وقد تقطع صوته بعبرة خانقة.. عاد الى وضعه في مواجهة الظلمة والسرحان في اغوارها وواصل حديثه:
 – بعد مغادرتك ومجيء ثابت مكانك استمرت الاوضاع بالضبط كما كانت معك، إلا بفارق صغير، انه لم يكن على نفس البساطة والانفتاح الذي كنت انت عليه.  كان اكثر صمتا وهدوئا وعزلة،  ومع ذلك فقد شاركنا في معظم اماسينا بعد العشاء وكنت ادخل معه في هذا الحديث او ذاك، وان كانت حواراتنا لا تصل الى ما كانت تصل اليه معك من الانفعال والتحدي.
 لم تتغيررعايتنا له عن تلك التي منحناها لك إن لم تكن اكثر،  وسار كل شييء على مايرام،  حتى تلقيه نبأ وفاة والده. كان حزنه كبيرا،  وتاثرنا  انا و وني لحزنه واحترمنا ذلك الحزن وخصوصا وني،  التي طالما كانت تحتضنه مواسية،  كلما داهمته موجة من البكاء المفاجيء.  غير ان اياما كثيرة مرت وهو على نفس وضعه من العزلة والكابة.
لقد تحدثت معه مواسيا في احدى المرات،  بأن والده قد توفي عن عمر كبيرودون عذاب والم،  وكلنا فقدنا وسنفقد احباء لنا وهي مشيئة الحياة،  ناهيك عن انه ترك له وللعائلة ثروة طائلة لعيشة رخية.
كان يبقى مطرقا صامتا في قاعة الجلوس حتى ساعة متأخرة،  واصعد انا الى غرفتي لاتهيأ للنوم، وانت تعلم ان عليّ الخروج الى عملي عند الصباح الباكر. اما وني فكانت تبقى في الصالة مع لوح تطريزها كي لا يترك ثابت وحيدا لهمومه. افقت في احدى الليالي،  وكانت الساعة التي بجانبي تشيرالى الثانية  وكان فراش وني خاليا. نهضت وفتحت باب غرفة نومنا لاجد ان الظلمة تغمر البيت.. ضوء صالة الجلوس مطفأ.
لم اكد اصل الى منتصف السلم،  حتى بدأت تتناهى اليّ اصوات خافتة آتية من الصالة المعتمة.  بدأ قلبي بالوجيب حتى ان ضجيجه في اذني غطى على اي صوت آخر.. وهنت قدماي عن الحركة، غير اني واصلت نزولي ببطأ  وجسدي يرتعش بكامله،  والاصوات تزداد وضوحا وتتمايز عن تأ وهات ومناغات ناعمة وحشرجات.. وعند مدخل الصالة مددت راسي لاجدهما،  وتحت ذبالة النورالنافذ من الشارع،  يتضاجعان عاريين على سجادة ارضية الصالة. تراجعت قليلا لاستند بظهري على حائط الممر خشية الانهيار.
.. أن افاجئهما وهما بوضعهما هذا فهذا معناه ان احدنا سيغادر الدار والى الابد.. إن اكتشفا وجودي واكتشافي لوضعهما،  فهذا سيضعني امام مجابهة صارمة  تغادر بعدها وني الدار  دون عودة.  عدت على اطراف اصابعي بذلة وانكسار الى غرفتنا. كانت الدموع لا تزال تبلل وجهي في الظلمة،  حين صعدت وني الى سريرها بحذرشديد محاولة تجنب اصدار اي صوت مسموع.
صمت جون من جديد وزدت من حذري من اصدار اي صوت او حركة تخدش هذا الصمت الحزين.
– انا قد جاوزت الخمسين،.. ويصعب علي،  ان لم يكن مستحيلا،  ان ابدء من جديد.  إن وني  وكما لاحظت،  تكاد ان تكون صلتي الوحيدة  للترابط مع العالم الذي احياه..  ليس خوفي الآن الا اتقألم مع الذي حصل،  ولا حتى مع استمراره مع ثابت،  فهي علاقة عابرة ستنتهي حال مغادرته.. ما يفزعني،  وبعد سنين من نسيان العلاقات الجنسية او لنقل   اغفائتها عند وني،  ان يصحو هذا المارد النائم في اعماقها بعد هذه العلاقة  ويجرها نداء الجسد بعيدا عني..  واترك انا وحيدا في هذا العالم الموحش.
***
وضعت معطفي علي والتفعت بالوشاح،  وانا اخرج من عنبر العبّارة العلوي الى السطح.. اتجهت الى مقدمةالسطح،  وكانت الريح عالية ندية.  وضعت يدي في جيبي المعطف. هنالك علبة مسطحة كبيرة في الجيب الايمن ومظروف في الايسر.  اثار ذلك دهشتي.  اخرجت العلبة فاذا هي علبة شوكلاتة كبيرة واما المظروف فكان مغلقا وغفلا عن اي عنوان او كتابة. عدت الى ممر العبارة القريب حيث الانارة افضل واسترخيت على احد كراسي الراحة وفتحت الظرف.  كانت هنالك ورقة نقدية من فئة الخمسة باونات ورسالة قصيرة:
" عزيزنا فلاح
اننا واثقون،  ايها الرحالة اليافع،  انك ستجد شاطيء الامان،  وانك ستبدء حياة مثيرة جديدة وتفتح ابواب مستقبل واعد، رغم اننا نعرف تماما انك لست من اولئك الذين يركنون الى ركود الاستقرار،  وإن عاجلا او آجلا ستشتاق الى مغامرة جديدة وعالم جديد تخوض مجاهله. احببناك محبة الابن الذي لم يرزقنا الله به،  فلا تنسنا !اتقي برد الخريف الرطب حتى عبورك فرنسا ولا تُضع حقيبتك التي اضعتها هنا مرتين،  فليس كل مكان هو انكلترة كي تعود الحقيبة اليك. اكتب الينا حال وصولك.  وليرعاك الله.
قبلاتنا
  جون و وني"

باريس

كانت باريس تلتفع في صباحها الباكر البارد بوشاح من الضباب.  الخدر والنعاس يخيم على كل شيء فيها بعد سهرتها الحالمة هنا،  والصاخبة هناك،  فاليوم هو الاحد،  وقطار كاليه وصل متثاقلا قبل قليل  الى رصيفه بعد اجهاد السرى العجول في فيافي الشمال المظلمة. الشوارع الندية بالضباب شبه خالية.  افراد معدودون  يسيرون على مهلهم على ارصفة الشوارع العريضة.  واجهات المحلات المغلقة،  ببضائعها المعروضة،  تبدو كبيوت هجرها قاطنوها على عجل.  من بعيد اتت اصوات
قرقعة،  ظهر اثرها من بعيد ترام يتقدم مترنحا.
– هل لك ان تدلني على السوربون رجاءً،  سألت بالانكليزية قاطع التذاكر في الترام.     
لم يفهمني،  او انه لم يرغب في الاجابة على لغة غير فرنسية:   La Sorbonne?  –
فقط حينها ابتسم قاطع التذاكر وهزبالايجاب راسه.
لم تكن عراقة الجامعة او اسمها الشهير هو الذي دعاني لمعرفة مكانها ولكن،  لابد ان احد العراقيين مقيم في قسمها الداخلي… عبر مجموعة من الصعوبات في الايضاح بالانكليزية ومفردات فرنسية باقية في الذاكرة،  استطاع خفر الاستعلامات في مدخل سكن الطلبة من اعطاءي رقم الجناح والغرفة واسم طالب عراقي يسكنها.
***
اطل من باب الغرفة الموارب وجه يغالب النعاس.
– صباح الخير اخي ثامر..  قلتها بابتسامة
– صباح الخير.. أجاب ثامر وقد امسك بظلفة الباب مستنداً،  وقد بدى على وجهه علائم ترقب لما هو آت.
– يبدو انك قد اخذت كفايتك من النوم،  وقبل ان ادعه يرد على ذلك،  واصلت بلهجة ملئها الثقة :
– ما دمت قد نمت جيدا،  سادخل لاحتل سريرك على الفور ولمدة ساعة،  ساعة واحدة،  لان ارهاق الس


المصدر : جريدة إيلاف 2006 الأربعاء 8 نوفمبر www.elaph.com