من أزقة النجف الي غوطة دمشق : زهير كاظم عبود .

أضواء – الجواهري : من أزقة النجف الي غوطة دمشق – حداء لا بكاء.. وفخر لا غرور – زهير كاظم عبود

ما بين رملة النجف وأزقة بغداد عمر لم يعتريه الوهن رغم عاديات الزمن وتجاعيد السنين والذاكرة الممتلئة بالمحن. ما بين أزقة الطوسي والبراق والمشراق والجلسات الطويلة في السراديب العبـقة، أو قبالة (سماور) الشاي في ليالي الشتاء، وصفاء الناس والسماء في مدينة النجف القابعة علي أطراف الصحراء العراقية والنابتة مثل الرمح في قلب التاريخ العربي، والغافية فوق كتف الكوفة عاصمة الخلافة العربية.
ما بين العمامة التي هربت منه فرحل دونها الي بغداد، حاملاً همومه وأحلامه وشعره المكتوب فوق العديد من القصاصات التي لا يدري أين تكون!! وآه من العمر لا يستريح. ويستلقي علي ضفاف دجلة بعد أن تبادل العـــشق مع الفرات، فانشد لدجلة الخير ولأم عوف ولكركرات الماء في الليل حين ينام الناس، متلطخاً بحــبر المطابع وهموم الصحافة ورحلة العمر وزوادة الشعر التي لا تغني من جوع ولا تقي من شر، غير أن النـــجف تبقي سره وأسراره، ليس لأن طفولته وصباه وتعليمه وثقافته الشعرية فيها بل لأنها تشكل عنده كل القيم الروحية واختلاجاتها المقدسة التي تجيش داخل روحه، وبالتالي فهي الومضة الأولي في عالم الشعر الذي يحمل سيفه وتاجه، فالشمس غير الشمس والعشق والنهار غير ذاك وقبضة من الشمس بين كفيه، منها أبتدأ أبو الطيب المتنبي ومنها يبتدئ الجواهري. كان لا يجيد البكاء غير أنه كان يجيد (الحداء) تماما مثلما يفعل البدو عند الغناء، ويعطي من روحه ويهيم خارج المكان ثم يرتد يعصر الروح لكنه أخيراً يقول شعراً.. فيملأ المكان والزمان، وينقل الحداء معه حيثما يحل في أرض الله وحينما تحل بداخلة رغبة القصيدة. عين علي الدنيا وعين علي العراق لكنه يتلبس أرواح كل الشعراء، يحيل المعلقات الي مزيج روحي مقدس، يجد روحه تتقمص البحتري تارة وأخري المعري ثم يعود الي أبن كوفته المتنبئ ويرتد منه الي طرفة بن العبد، الفتي الذي نبـتت أشعاره فوق شغاف القلب وعلي جدران الروح، لكنه حين يصل الي القبة الذهبية يقف خاشعاً متلمسا جدار ضريح الشهيد الحسين بن علي ويكتب فوق إفريز الصحن الداخلي للضريح:

فداء لمثواك من مضـــجع
                 تــنور بالأبـلــج الأروع
يا عبق من نفحات الجــنان
                روحاً ومن مســكها أضوع
ورعيا ليومك يوم (الطفوف)
                  وسـقياً لأرضك من مصرع

ويحلم أن تنتهي رحلته في رملة النجف من يحلم بقبر يجاور ضريح الأمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) قريباً من الفرات وقبور الأحبة، لكن ما كل ما يشتهي المرء يدركه…. فيبحر بعيداً ويحلق طويلا فتتعب أجنحته من الخفق وروحه المعذبة ما تزال تتوق لشمس العراق وتنبت له أوتاد في الروح تعتصرها في لوعة الاغتراب والليل الذي لم ينجل. يتلفت يمنة ويسرة لعله يهتدي لطريق (أم عوف).. وينتظر لعل الفرات الذي يفيض كل عام سيبلل أطراف ثيابه ويمتلأ برطوبة شواطئ الكوفة فيشعر بانتعاش الروح لكنه كان مهموما بهموم الناس والأهل والوطن وحينما تجيش بأعماقة مخاضات القصيدة يردد:

لم يبق عـــندي ما يبتزه الألـم
               حسبي من الموحشات الهم والهرم
وحين تطغي علي الحـران جمرته
               فالصـمت أطول ما يقوء عليه فم
وصـابرون علي البلوي يراودهم
              من أن تضمهم أوطانهم حلـــم

فتشيخ الروح ويطول الأمل والحلم وتتسع البلوي ومحنة الوطن الحزين وهو لم يزل يصرخ:
جيش العراق ولم أزل بك مؤمنا
                 وبانك الأمل المرجي والمني

ثم يعيد الصوت لكنه يسمع الصدي وينتظر رغم أن الطيف جف في مآقي العيون ويطيل التلفت ويحلم وهو يغمض عينيه برملة النجف التي ما شابهتها رمال الدنيا.

وددت ذاك الشراع الغر لوكفني
                    يحاك منه غداة البين يطويني

ثم ينتقل الي غوطة دمشق يمسح بترابها خديه وعظام وجنتيه الذابلتين، ودمشق الشام التي دفأته في زمن الزمهرير وأمنته من روع، لم تزل كعهده بها، يدور في أزقتها ويرحل الي أقبية الشعراء فيها يعرش في غوطتها ويتحاور مع طلاسم باب توما، ويستذكر ما قاله في معرة النعمان:

قف بالمعرة وامسح خدها التربا
            وأستوح من طوق الدنيا بما وهبــا
وأستوح من طبب الدنيا بحكمته
              ومن علي جرحـها من روحه سكبا

وهو يعرف أنه هو الذي سكب من روحه علي جرحها ويتوسل بالروح أن تستكين وترتاح وتغفو بين الأحفاد ووجوه الأحبة وبيوت النجف العتيقة آل بحر العلوم وكاشف الغطاء وآل شيخ راضي والدخيلي والحمامي ….. وأزقة العمارة والحويش والثلمة والصحن والمقبرة والسراديب السن وبساتين الكوفة والسهلة وكري سعده.
يحلم بجلسة مع أم نجاح وكل أولاده يهزج بينهم:

أرح ركـابك من اين ومن عثر
                  كفاك جيلان محمولاً علي خطر
كفاك موحش درب رحت تقطعه
                  كأن مغبره لــيل بلا سحــر
ويا أخا الطير في ورد وفي صدر
                 في كل يوم له عش علي شجـر

وتزدحم الخواطر تطغي علي كل ذكرياته… تراتيل قفص العظام ووجه جعفر الجواهري والفجر المختلط بسواد الليل ودندنات أخر الليالي وبريق القباب الذهبية كلها تدعو لأن يكتب الشاعر الموغل في ثنايا التاريخ العربي، ولكن الركاب لم تزل تهتز كما يهتز سعف النخيل، ولم تحل النهارات بعد ليل العراق، ورغم كل ترسبات الحزن المتكلس في روحه تضطرب أعماقه فيقول:
أعد مجد بغداد فبغداد روضـــة
                   لدي موسم تذوي وآخر تعــشب
يضر بها جدب الرجــال فتجدب
                    وينعشها خصب النفوس فتخصب

ولكنها مجدبة أيها الشاعر وتموت في هوائها الفراشات والعصافير والألوان!! فيبحر بعيداً باتجاه المنافي البعيدة حيث تزدحم الذكريات والأماسي واجتماع الأحبة والهموم المغسولة في بساطة العيش وطيبة الناس فيرسل ذكرياته شعراً ينفذ الي عمق الروح فيقول:

حييت سفحك عن بعد فحييني
                    يا دجلة الخير يا أم البساتين
حييت سفحك ظمآنا ألوذ بـه
                   لوذ الحمائم بين الماء والطين

تعاوده الآهات العميقة وكلما زاد به العمر زاد شوقه وشعوره أن الفراق سيكون طويلاً فلا تكتحل عيونه بلقاء بغداد ولا يمشي بأزقة النجف ولايقف بباب الطوسي أو جامع الخضرة ولا يرسل سلامه إلي بيت الفرطوسي أو الكرباسي أو الشيخ علي الشرقي.. ربما تصل والناس نيام!!

سهرت وطال شوقي للعراق
                وهل يدنـو بعـيد باشتياق
وهل يدنيك أنك غير سـال
                 هواك وأن جفنك غير راق

وتأكل الغربة من روحه تحاول أن تثلم جوانبها لكنه يحصن الروح بأسم العراق وبأسم عشتار وتموز وقباب الأئمة والحروف العربية فيتجانس مع الوحشة والألم وعدم الاستقرار.. يرتدي الطاقية التي نقش فوقها أسم كردستان يغطي بها بقية الشعرات الفضية الباقية متعلقة في جلدة الرأس.

برمت بريعان هذا الشباب
               تخارس في الفجر صداحه

يتقدم إليه النخيل والفرات ودجلة وأزقة محلة العمارة بالنجف والجامع الهندي ومقبرة النجف وبساتين بحر النجف وبيوت الأعظمية ونوادي بغداد والمطابع العتيقة وشارع المتنبي وحسان بن ثابت وروائح الحبر الأسود وأكداس الصحف المعادة وقصاصات الورق المبعثرة والقناني الفارغة وجوقة الشعراء، يعزونه بموت رفيقة العمر التي تحملت ما تحملته جبال العراق من الهم، مات نصف الجواهري بل قل ماتت روحه حين رحلت آمونة الجواهري يوم 18/1/1993 وحين يدفنها فإنه يدفن كل ما تبقي من هذا العمر الموحش، وحين يزور القبر يتحدث طويلا اليها يغازلها ويعتذر عن هفوات له معها ويقسم لها أن لن يتأخر عنها.. لن يتأخر كعادته معها.
وفي أحد صباحات تموز الدمشقي حين ينضج اللوز وتفوح أزاهير الغوطة ويهدا بردي يرحل محمد مهدي الجواهري يوم 27/7/1997 شاعر العرب الكبير شيخاً مسنا لم يستطع الزمن أن ينتصر عليه، فلم تنتابه نوبة الخرف والهذيان وبقيت عيناه متوقدتان باتجاه العراق، وبقيت النجف سره وأسراره يسأل عنها الغادي والرائح يسأل عن أحوالها ورجالــــها وحاراتها فيزداد حزنا علي حزنه، ويوصي أن تكون خارطة العراق فوق شاهدة القبر لأنه لكل العراق، وهكذا كان هذا الجواهري شاهدا من شهود العصر .


المصدر : جريدة (الزمان) — العدد 1434 — التاريخ 2003 – 1 – 21

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.