رفقاً بتاريخ الجواهري : احسان شمران الياسري .

زمان جديد – رفقاً بتاريخ الجواهري – احسان شمران الياسري
2006/08/03

بعض الاشخاص لا تختصرهم قصيدة أو كلمة مدح، او وصف.. وبعضهم يصعب تجسيد ادوارهم في مشهد تلفزيوني، ويرفض الممثلون تجسيد ادوار تلك الشخصيات الكبيرة، لكي لا يتورطوا في إحداث خلل في الشخصية.. والشاعر الكبير (محمد مهدي الجواهري) واحد من الشخصيات الهائلة التي عاشت في العراق نحو قرن من الزمان، رسمت خلاله ملامح القصيدة العصيّة التي امتدت بآفاق الادب العربي الي كل العالم.. فالجواهري شخصية كبيرة، بل (مرعبة) للكثيرين.. فهو الحرف العربي، والجملة، وبيت الشعر، والقصيدة.. وما أن نسمع بأسمه، حتي ينتابنا الخوف من قوة الكلمة وضخامة الشخصية.. فخلال الفترة التي كنا فيها في الابتدائية والمتوسطة والاعدادية، كان الجواهري مثل الغيمة التي تظلل المهرجانات الخطابية وطقوس الاصطفاف الصباحي.. ومن يتجرأ من الطلاب علي قراءة قصيدة للجواهري، عليه أن يتأكد من مخارج الحروف ومن ثبات قدميه في البقعة التي يقف عليها.. فإذا غامر أحدنا بقراءة رثائيته لأخيه المرحوم جعفر، الذي إغتالته الشرطة علي الجسر، عليه ان يتحدي الحروف وهو يقول (دبتْ عليكَ زواحفُ الأيام.ِ. وبرأتَ من جُرح ٍ وُجرحيَ دام ِ).. وعليه أن يتصدي لحمرة الوجه، ورهبة الخجل.. وعليه أن يجسد حزن الجواهري علي الشهيد، وعلي الوطن، وعلي القصيدة. واذا تجرأنا وأبحرنا في دجلة الخير، علينا تجسيد الكلمات وهي تتهادي تحت أشرعة الجواهري وهو يصف القارب والشراع والأفانين.. ونحلم بالحمام وهو يلوذ بشطآن دجلة مستظلا بالطين وبالأمان الذي تمنحه ضفافها.. وأن نرسم صورة الريح التي تلوي قاربا في دجلة استطاع ان يُبهر الشاعر الهائل. وأن نتخيل الأفانين وأطرافها التي تلويها النسائم.. وكل هذا لكي نقرأ (وأنتَ يا قارباً تلوي الرياحُ به.. ليَّ النسائمِ أطرافَ الأفانين) (وددتُ لو ذاكَ الشراعُ الرخصُ لي كفنٌ.. يحاكُ منهُ غداةَ البينِ يطويني).
هذا هو عملاق الشعر والادب والحياة، والجانب الوارف من تأريخ العراق.. ومع ذلك، يسمح بعضهم لنفسه أن يؤرخ لحياة هذا العملاق الكبير بطريقة مبتكرة، تُطيح بالصور (المُخيفة) للجواهري، وتتحدث عن تفاصيل لا معني لها مع شخصية من هذه الشاكلة.. فهو يقول كان الجواهري يحب (المثرودة!!).. تصوروا إن شخصا يخاف من قراءة شعر الجواهري لكي لا ُيخطيء، يسمع بعد عقود من ولادة الخوف العجيب، إن الجواهري يحب (المثرودة!!).. ذلك الاسطورة الذي لا نعلم عنه إلا الضخامة والمنعة.. واذا لم أكن مغاليا فيما قلته، فارجوكم أن ترفقوا بالجواهري.. وأن توقفوا نشر الذكريات التي تقدم لنا الجواهري عاديا للغاية.


المصدر : مجلة الزمان 2006/08/03 http://www.azzaman.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.