قصائد تستوعب الكثافة والتنويع في المشهد الشعري .

بريد الغربة. لمحمد مهدي الجواهري
2006/11/10
بريد الغربة.. لمحمد مهدي الجواهري
قصائد تستوعب الكثافة والتنويع في المشهد الشعري .
زهير الجبوري (ناقد)

أن الحديث عن الشاعر الكبير (محمد مهدي الجواهري).. شاعر العرب الأكبر، يأخذنا الي الأجواء الحقيقية للشعر العراقي أو العربي، أو الي الأجيال والعقود الأخيرة التي مضت، وكيف كان الانسان العربي يعيش في ظل هويته وقوميته العربية .. تلك القومية التي دفعت بأبنائها الي شاطئ الأثارة واالنزوع نحو الواقع المباشر وبطريقة هائجة ..
وديوانه (بريد العودة ) الذي صدر عام 1969 ينقلنا الي الحالات المتفاعلة من خلال نقل الأحاسيس والهواجس الي أطر شعرية تحمل قضية معينة، بل أحيانا" نشعر أن الشعر بكينونته وبلغته ينقل لنا الصور المقصودة للقضية المعينة .. يضم الديوان سبع قصائد أغلبها مطولة .. وتتوافر فيها شروط التنويع في المشهد الشعري، بالرغم من أن نَفَسُ الشاعر موجود في كل القصائد، وحتي تكون التفاصيل أكثر دقة فقد أبتدأ الديوان في اولي قصائده ب(أرح ركابك) التي ألقاها في الحفل التكريمي الذي أقامته له وزارة الثقافة والأعلام في بغداد علي أثر عودته الي أرض الوطن من منفاه بعد غياب طال أكثر من سبع سنين .. يقول في مطلعها :-
أرح ركابك من أين ومن عـثر
                   كفاك جيلان محمولا علي خطر
كفاك موحش درب رحت تقطعه
                    كأن معبره ليل بلا ســـحر
ومع أن الكثافة الشعرية / الواقعية، كانت واضحة وبشكل ملفت للنظر في هذه القصيدة، فقد تعانق ماهو محسوس وملموس بخضوع التفاصيل المتباينة في أجواء المتن (أولا")، والمعني العام (ثانيا") أنه يربطنا بالنمط الستيني للقصيدة العمودية .. مع أن الموازنة في خلق الأساليب في هذا العقد .. قد تنوعت وأقتربت الي التعددية، وككل فأن العمق الروحي الذي أشتغل عليه الشاعر الكبير (الجواهري ) كان ممتدا" من عمق الواقع (واقعه هو) .. أزاء التمثل بالمنظور المباشر والمقموع في خضم الأحداث التي خلقت منه كل الشواهد الشعرية الواضحة .
وتستمر الصورة الشعرية وهي تحمل ترانيم الأيقاع بموسيقي دقيقة وحية .. أستحالت الي النمط الشاعري الذي هيأه الجواهري من خلال الوصف الحيوي المتحرك والمثير للوقائع التفصيلية لكل القضايا .. رغم التدفق المنهمر والمنفتح أمام الدلالات الظاهرة أو الباطنة من عمق المعني داخل الأبيات الشعرية ..
ثم ينتقل الشاعر بعد ذلك الي صورة الوطن .. ليجعل من الحالة التناظرية معه، فيها لغة حوارية متمازجة مع أن التقارب الجمالي كان خالصا" في رسم الصورة :
ياصورة الوطن المهديك معرضه
                  أشجي وأبهج مافيه من الصـور
غيومه وانبلاج الشمـس والقمر
                  وقيظه وانثلاج الليل والســحر
وبالرغم من ما نعرفه من مفارقات ومغايرات وتناقضات في حياة الجواهري، الا انه دخل الي اشباع شجيته التي ترتبط مع حواسه بما يحمله في داخله لوطنه، وايضا فقد كانت عبارة (ياصورة الوطن) قد تكررت لتعطي صورة شعرية/ مشهديه اخري.. ومن ثم يصفه ايضا في الابيات الاخري بنفس الروحية والالقائية التي تمتد الي عمق المعني المعرفي:
يا ساحرالنفس كالشيطان يا وطناً
                         يهوي ويصفي علي الويلات والغير
فالارهاف المباشر(صعودا وهبوطا).. اضفي من خلاله الشاعر اشاراته ودلالالته التي تتم بالشدة المركزة علي الايحاءات الظاهرة من خلال الالقاء لقضية واحدة.. انه بحق لا يترك الوصف الشعري بنظرة تشخيصية واحدة، بل يحيل من كل الجهات تشخيصاته / اشاراته في الاكتفاء المتحور بالمعني.. و(يا ساحر النفس).. هو صوت الشاعر الذي ينادي وطنه من خلال حرف النداء (يا) الذي جاء في العديد من الابيات، ليكون المفهوم العام هنا، له ارتباطاته المحركة للمشاعر الحسية، هذه الارتباطات هي بالاحري بعيدة عن الملموس المادي.. انها تدفع بالعواطف الجياشة بعيدة عن ارادة الشاعر، وبعدها يدخل الشاعر في التشخيص المباشر والمبين عندما يقول:
يا دجلة الخير قد هانت مطامحنا
                   حتى لأدنى طماحٍ غيرُ مضمونِ
فبالرغم من أن المناجاة كانت واضحة في بداية القصيدة، فقد تدرج الشاعر (الجواهري) في ألقائه حتي وصل الي (دجلة الخير)، في الحقيقة .. أنطوت بين بيت شعري وآخر في القصيدة الاولي الي وصف الافتراضات الناجمة عن ظروف الشاعر بالاتسامات المحسوبة وفق آلية الصعود الهلامي حتي كانت علامات الأضطهاد واضحة من خلال رموز (الموت.. التشاجر .. الضحايا .. الحشرجات ) .. ومع ذلك،فأن ديوان (بريد العودة ) .. أحتوي علي أنماط كلاسيكية في التعبير، وأذا نظرنا في ضوء ذلك الي الطريقة التي أستخدمها (الجواهري)، فأنها تحقق حريتها في (التقطيع العروضي الكامل + اللغة المتقنة ) .. وبعبارة اخري فأن التجربة الأنطلاقية الجريئة، حققت حريتها بجراءة كبيرة فلو تتبعنا القصائد التالية (الفداء .. والدم ورسالة مملحة وبريد الغربة ) نجد ذلك التكثيف الشعري المتضامن مع الواقع بحس شعري مباشر، فعندما يقول في قصيدة  الفداء .. والدم ) :
جل الفداء وجل الخلد صـاحبه
                  ضاق الفضاء وماضاقت مذاهبه
لون من الخلق والأبداع يحسنه
                  خلق تصــاغ جديدات رغائبه
فهي في نبرة الشاعر, تشكل علامة واضحة أختزلها في محور الأمساك بعلامات (المد والجزر ) فبين (جل ) و(ضاق)..لغة موضوعية / تحليلية واضحة, وكذلك الحال في البيت الثاني, فأن عبارة (الخلق ) بين الأبداع والرغبة, تمثل احتواء النص علي الشيء الكثير من التناص الشعري من الداخل, وهذا الامر ينطبق تماما" علي قصيدة (رسالة مملحة ) بعد أن جاء في مطلعها:
وفي لها نـذرا" فـوفى
                وسعي بها سبعا" وطافا
ورما لها الجمرات من
                قلب تعـلقها شــغافا
وبما أن النص مهدي الي السيد (عماش)، فأن طريقة الحوار واضحة عندما أنطلق من حالة الخطاب (وفي) و (سعي)، وهذا الأمر ينطبق أيضا" علي القصيدة التي قبلها والتي ألقيت في قاعة الشعب عام 1968 احياء لذكري الشهيد العربي (صبحي ياسين) ..
تناولت القصيدتان التجربة السياسية والمتمثلة من الأستيعاب المكاني والأنغمار في خصائصه، أذ كانت العبارات واضحة في خضم المعني العام لهذه التجربة ك الفداء .. الشهيد .. الضحايا .. النضال نضح الدم .. الخ) يقول الشاعر في قصيدة (بريد الغربة ) :
لقد اســري بي الأجل
             وطول مســـيرة ملل
وطول سيرة من دون
              غاي مطــمع خـجل

(ثم في مقطع آخر )

سلاما" من اخي دنف
              تناهت عــنده العلل
وحيد غير ماشـجن
               يلوح الصـدر يعتمل

أننا حين نواجه مفردات الشاعر الكبير (محمد مهدي الجواهري).. نجدها موازنة بين صدرها وعجزها ومتحققة في مضمونها الأستهلالي، رغم الحيز الذي تشغله أيقاعية النص، أن الأهتمام العام في رسم الصورة، تحول الي الأنفتاح المتحقق للنزعات الذاتية .. أنه يكتب قضية .. أنه يحاكم من خلال سلطانه الشعري، فحالة الخطاب ب(لقد اسري بي الأجل) هي في الحقيقة (ذاتية )، ولكن في (الاجل).. نلاحظ الرديف المقارب في (عجز البيت) من خلال عبارة (ملل)، لتظل تلقائية النص (مكملة بعضها بعضا)، وهكذا فأن التداخل النغمي مع طريقة الايقاع يعطيان مدي تأثر الشاعر بالمفاهيم الحسية المؤثرة .. ففي المقطع الثاني الموجود أمامنا .. نجد الأشارات هذه من خلال (العلل.. الشجن..) أما طريقة المناجاة في قصيدة (يادجلة الخير ) .. فقد أختزلت من عمق الشاعر وتكثفت فيه الصور الأيحائية المبينة، فبعد أن ترشحت حساسيته في الاحتواء المضني علي مشاعره، فأن طريقته في النداء كانت مشحونة (سيكولوجيا") في النص رغم التداخل الذي يتمتع بنغمة الحوار والوصف .. ومن جهة أخري، فأن نمطية الأثارة الوجدانية لدي المتلقي أنما تخلق حد الميل علي التأثر الأيقاعي والتلقائي بمفتتحات غنية بالرموز التعبيرية / الوصفية .. وبما أن الشاعر (الجواهري ) نظم هذه هذه القصيدة عام 1962 فأنه كان يمر بأزمة نفسية حادة لأضطراره الي مغادرة العراق هو وعائلته، ليبدأ في مطلع القصيدة :
حييت سفــحك عن بعد فحييني
                        يادجلة الخير ياأم البســـاتين
حييت ســفحك ظمآنا" ألوذ به
                        لوذ الحـمائم بين الماء والطين
يا دجلة الخير يانبعا" أفــارقه
                         علي الكراهة بين الحين والحين
لقد عبرت القصيدة عن مناخ الشاعر وهو في الغربة، بعد أن دخلت فيها الأستخدامات المجازية وسط التضارب النفسي الملموس، وبما أن اللمسات الشعائرية كانت متوترة في المضمون العام في القصيدة، الا أن مستوي الأيقاع تناظر مع مستوي التعبير،لتكون هناك لغة متداخلة في وسط مملوء بالضروب والموازنة علي مستوي الألقاء، غير أن المحدودية العامة في البنية الشعرية فقدت هويتهاعلي الأمساك بموضوعية معينة، بل أنطلقت بوصف العديد من المشاهد الطبيعية والحسية والألهامية وحتي المكانية، ليجد المتلقي نفسه أنه يعيش وصف أجواء حية لقضية صيغت بطريقة شعرية موسيقية .
أن رؤية الشاعر (الجواهري) في ترسيخ وجهة النظر الأجتماعية من خلال خوضه في قضية معينة، أنما أثمرت في تحقيق الأثارة لدي المتلقي، وهذا ماجعل النص له نكهة خاصة، بعد أن تميزت مرحلته بالشعر الكلاسيكي في تناول موضوعات الوطن والشعب والمجتمع وباقي الأتجاهات الشعبية بصورة بارزة (هذا ماذكره الناقد عزيز السيد جاسم، عن الجواهري )، بالرغم من أن الواقعية الثورية أثمرت في تحقيق مفاهيم أجتماعية / تقدمية، مندمجة بالطرح الوطني والقومي، في قصيدة (ياابن الفراتين) :
يا ابن الفراتين لا تحـزن لنازلة
                   أغلي من النازلات الحزن والكمد
دع الرجولة لاتلوي الريـاح به
                   لكن تنفض اوراقا" وتختــضد
(ثم يقول بعدها)
أنا ابن (كوفتك الحمراء) لي طنب
                  بها, وأن طاح من أركانه عـمد
في النص ثمة محاورة خاصة تتناول موضوعة المكان / الوطن, بعد أن وظف الشاعر مفردات الأخذ بهذه الموضوعة.. ليصوغها بطريقة أدائية معروفة, فالعبارات التالية:
(ابن الفراتين)  فيها دلالة مكانية
(الحزن والكمد)  فيها دلالة شعورية  الصورة النهائية / التكاملية
فمن خلال حرف النداء (يا) وفعل الأمر (دع), يتوضح لدينا المفهوم الحقيقي للقضية المعنية.. ولكن إصرار(الجواهري) في أنتسابه وذاته لوطنه, كان ملموسا" وواضحا" أمامنا ف(أنا ابن كوفتك الحمراء ).. ترسخت في مفهومنا, بانتسابه لعروبته (أولا") وللعلامات الأشارية للزي العربي(ثانيا"), وهي بلاشك أندفاعة حماسية شديدة مفهومة عند الشاعر في العديد من القصائد, وأذا أشرنا إلي الدور الإيقاعي في ديوان (بريد العودة), فأن الصورة في جميع أشكالها, لايمكن أن تتوضح خارج نمط الإيقاع, أنها جزء لا يتجزأ منه..وهذا أنما ولد عند الشاعر (التراكم التشبيهي + الطباق والتوازن في الجمل ), بل يبدو أن القيمة الإيقاعية داخل النص الشعري في هذا الديوان.. أنما أخذ القيم الأساسية في تحمل تفاصيل المعني, وهذا ما جعل الحس الموسيقي داخل الأبيات يؤثر تأثيرا" ملموسا" بعد الوصف  التفعيلي ) في نهاية كل بيت شعري..
وبذلك, فأن النمط الإيقاعي في(بريد العودة).. يأتي بإشكاليات لازمة, ليصنع نسيجا شموليا واحدا في بناء القصيدة من الداخل.. لتفوح معناها أو صداها إلي الخارج, و ظلت القصائد تتعمق في مشاعر فاعلة مع المتلقي, بعد أن تمتد إلي درجة عالية من الإيقاع, لتحتفظ بالنكهة داخل النص, كما وأن عملية النمو الذي يتواصل في المتن الشعري, أنما يتحتم علينا إن نستعير بالمعجم اللغوي, لقدرة الشاعر علي الأخذ بالمفردات اللغوية وإتقائها, إذ النصوص الشعرية.. تكشف عدة مقاطع تعطي دلالات الحضور من الموضوعة التي يتحدث عنها..
ولعلنا ننظر إلي الديوان من زاوية أخري, فأننا نجد مابين القصائد, موضوعة (المتن والهامش), فالمتن : واضح من خلال القصائد السبعة الموجودة.. أما الهامش : فقد تركبت فيه الأستشهادات الشعرية في التعريف عن الإشارات المرقمة, لتدخل ضمن موضوعة غنية.. صيغت بطريقة غير مباشرة، ففي قصيدة (أرح ركابك)، نقرأ كيف أستطاع الجواهري ومن أول بيت شعري أن يعرف بعض المفردات ك (الاين .. المغير .. الورد .. الجؤجؤ .. بحسبك الشيئ .. النكباء، وغيرها من المفردات في باقي القصائد ) .. للأستمتاع والأستفادة من هذه التعريفات .
ولكن في قصيدة (رسالة مملحة ) – المهداة الي السيد (عماش) – نجد في هامشها القصيدة التي أجاب فيها المهداة اليه، لتكون صورة واضحة للحوار، جاء في مطلعها :
لاح ســقانيها سلافا
                 ورمي بها غيدا وطافا
طــابت (مملحة) بها
                 الأبيات تقتطف أقتطافا
الا أن الشاعر (محمد مهدي الجواهري ) .. أجابه بقصيدة جاء في مطلعها :
وفي له نذرا" فوافي
بخريدة كرمت قطافا
(منها) :
مهلاً ابا المهدي – مهلا
                   أن في الحق أنتصــافا
مهلاً فأن مفاخر النظراء
                   أنصــــية تـكـافى
ومن نفس الموضوع (الهامش) ..قرأنا قصيدة (المقصورة ) التي جاءت من الأشارة الرقمية لقصيدة (يادجلة الخير /13-14 )، وجاء في مطلعها :
سلام علي جاعلات النقيق
                 علي الشاطئين بريد الهوي
(وهي قصيدة مشهورة .. يصف فيها الشاعر مرح الضفادع في شواطيء دجلة متغزلا" بها, معجبا" بألاعيبها) ص 145,
فأن عملية الكشف في حركة الشعر في (بريد العودة ) والوصول الي المبتغي العام الذي أراده الشاعر الجواهري تجاه قضيته الوطنية، ظلت تحوم في دواخله فكتب ماكتب من القصائد بعد قصائد هذا الديوان.
ومن عمق النصوص، فأن المفاتيح الأسلوبية .. تتصل مع دلالة المعني لتصل في النهاية الي المشهد البنائي / التصويري الكامل، حيث التجانس بين الأطار الشعري والمعني العام، في حين كانت النمطية العامة في الأنبثاق والوعي .. أعطت ذلك التمويه المستسلم لعمليات الواقع، وليتحول الشعور الذاتي الي قضية معرفية، حولها الجواهري من خلال أبياته الشعرية الي منصة للطرح، وفي كافة الأتجاهات السياسية والأجتماعية . وهكذا يتحول شعر القضية الي رؤيا أيدلوجية .. رؤيا لها صداها الصاخب في حركة الشعر العربي .. ليكون هناك تلخيص وتشخيص لعدة أتجاهات, أنطلق منها الشاعر ورسخها بعلامات شمولية مستنزفة من صلب الواقع . 
                                                     زهير الجبوري


المصدر : العراقي http://www.aliraqi.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.