اغتراب الأدباء والكتاب أمام مظالم النظام المنهار : عبدالله خلف .

اغتراب الأدباء والكتاب أمام مظالم النظام المنهار
Apr 30, 2003
بقلم: عبدالله خلف 

الاغتراب عن العراق كان أصعب قرار اتخذه الادباء والكتاب العراقيون.. ضيق عليهم الخناق في بلدهم، اما ان يتغنوا بتمجيد صدام حسين، وتأليف كتب نيابة عنه، روايات وقصص وتاريخ مزور،  أو الاضطهاد فهجر الوطن شباب وكهلان في مراحل متقدمة من عمرهم وهم فيها أحوج إلى احتضان ارض الوطن والجلوس بين أهليهم من أبناء وأحفاد وأقارب يداوون فيهم نفوسهم المتعبة.
الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، هذا العملاق الكبير نأى بنفسه بعيدا عن الدكتاتورية التي هيمنت على النظام في بغداد، كان شعره يؤرقهم فعوقب مرتين بسحب الجنسية منه مرة في عهد عبدالسلام عارف ومرة في عهد صدام حسين عندما توجه مع الشاعر عبدالوهاب البياتي الى المملكة العربية السعودية في تلبية دعوة لحضور احتفالات الجنادرية سنة .1995 في عهد عبدالسلام عارف كانت للجواهري قصيدة تحامل فيها على النظام واذيعت في احتفال رسمي مباشرة من الاذاعة المنقولة ونشرت في الصحف العراقية فاتخذ النظام ذاك الوقت منه موقفا غاضبا .
وحمل عليه النظام في سنة 1995 في الوقت الذي كان في الرياض يتغنى ببلاده العراق :
سلام على هضـبات العراق
                 وشطيه والجرف و المنحنى
على النخل بالسعفات الطوال
                 على  سيد الشـجر المقتنى
على الرطب الغض إذ يتجلى
                  كوشـي العروس إذ يجتنى
سـلام على قـمر فـوقها
                  إليـها هفا ، وعليـها إدّنا
تلـوذ  النجـوم  بأذيـاله
                  دنت إذ دنا ، و هفت إذ هفا
كانت هذه أول قصيدة له أطلقها من احتفالات الجنادرية بعد سماعه بسحب جنسيته العراقية وهو في سن الخامسة والتسعين من العمر.. وبكل هذا الحب المنهمر للوطن يعاقب الجواهري بنزع «الجنسية عنه».
أما الشاعر الكبير عبدالوهاب البياتي فقال منشدا عندما سئل عن رده على سحب الجنسية منه بأمر صدام حسين :
من يملك الوطن؟
القاتل المأجور والسّجان
يا سيدتي
أم رجل المطر؟
نازك
والسياب
والجواهري
أم سارق الرغيف والدواء والوطن؟

نعم الوطن هو بيد أبنائه يقاد بأهل الفكر والرأي ويدخل مرارا في صفحات التاريخ بفكر مواطنيه وعلمهم وآدابهم وأفكارهم، لا يدخل الوطن في التاريخ عن طريق عصابة مستبدة تتحكم في

لآخرين بالسلاح والنار وترهبهم بالسجون والتعذيب ودفن الاحياء وقتل الاعداد الهائلة بعد تعذيبهم حتى الموت..
الشعب العراقي طوال حقب التاريخ ما كان يرغب في الأسفار، كان دوما يحتضن أرضه قابلا بكسب قوته ولا يتطلع الى طموحات ينالها في الاغتراب.. هكذا الى ان ضاقت به أرض الوطن من ظلم النظام الذي تسلط على البلاد، ولم يعد رجل الثقافة والفكر الحر يطيق المكث في أرضه، الشعر صار لغرض واحد التمجيد في صدام، والغناء لم يعد منذ ثلاثة عقود للوطن ولعاصمته بغداد بل لصدام الى درجة الابتذال مثل ما يردده اياس خضر «سيدي شكد انت رائع» وارتفعت صفات المدح والتبجيل الى ما يشبه التقديس، ونفاق فني وفكر مزور لتأليه صدام.. لذا ابتعد أصحاب الفكر الحر حتى احصتهم الدكتورة خيال الجواهري في كتاب «ببلوغرافيا» بلغ عددهم في أرض الشتات 588 كاتبا وأديبا وزادت على ذلك جريدة عدي بن صدام «الزوراء» فأصدرت قائمة بأسماء 350 كاتبا وأديبا اطلقت عليهم صفة المارقين الفاشست عملاء الامبريالية والصهيونية.. ليبلغ عدد الكتاب في المهاجر حوالي الألف.
الجواهري قضى ثلاثين عاما في تشيكوسلوفاكيا ثم أقام في المغرب وبعدها الى دمشق والتي دفن في ثراها مع البياتي مغتربين بعيدا عن الوطن والأهل.
وكان الجواهري منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي يهاجم النظام العراقي ويرفض كل التوسلات والدعوات التي تقدم له ويتعهد في سنوات كرئيس لادباء العراق في المحافل الأدبية والشعرية مع اتحاد الادباء العام.. قال في عيد الثمانينات من عمره :
كم هز روحـك  من قزم  يطاوله
                 فلم ينله ، ولم تقصـر ، ولم يطل
وكم سـعت امعات  أن يكون لها
                 ما صار حولك من لغو ومن جدل
وقال يصف صدام حسين ويشتق من اسمه صفات ثلاث مزرية :
تجمع يا صـدام  باسـمك وحده
                 ثلاثـة  أوزار   بـه  تتحـكم
بماذا سـيوحي  اسـم لحـامله
                 تجمع فيه الصّد، والصدم، والدم

والبياتي نموذج آخر من نماذج الاضطهاد الفكري من قبل النظام المنهار وطال انتظاره مع الجواهري والكثير من شعراء وأدباء العراق حتى ادركهم الأجل المحتوم في الغربة بعيدا عن أهلهم وذويهم.
البياتي ألف الغربة منذ الخمسينات وهو مثل الجواهري سحبت منه الجنسية أثناء رحلة الجنادرية، وقبل ذلك بـ 35 عاما سحبت منه في سنة 1963، وكذلك الجواز حتى سنة 1968 وكان حينئذ في موسكو ولم يتحرك منها حتى اعيد له جوازه، فذهب الى القاهرة، وبقي في مواطن الاغتراب حتى احتضنته دمشق الى ان انتقل الى جوار ربه ودفن في دمشق كما دفن الجواهري .. هكذا كان النظام البائد يسلط سيوفه وأسلحته على أهل الفكر والثقافة والفنون . 


المصدر : جريدة الوطن الاربعاء 30/4/2003

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.